حقيقة مصطلح علم الكتاب في القرآن

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
141
الإعجابات
116
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حقيقة مصطلح علم الكتاب في القرآن

قالَ اللهُ العَزيز القَدير في سورةِ الرَعد الآية 43: ( وَيَقُولُ الَّذِينَ كَفَرُوا لَسْتَ مُرْسَلًا ۚ قُلْ كَفَىٰ بِاللَّهِ شَهِيدًا بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ ﴿٤٣﴾).
في هذهِ الآيةُ الكريمةِ جاءَ ذِكرُ الكُفَّار وهُم يُشكِكونَ في رسالةِ نبيَّ الله مُحمد عليهِ أفَضلُ الصلاةِ وأتمَّ التَسليِم ، فكانَ أمرُ الله سبحانَهُ للرسولِ الكريم ( بِأن يَكتفي بشهادةِ اللهَ وحدهُ، ثمَّ يتبَعَها بعد ذلك بشهادةِ مَن عِندهُ عِلمُ الكِتاب، وذلكَ للرَد عليهِم فيما يخُص هَذا الشأن العَظيم، لأنَّ شهادة الله عزَّ وجَل المُدرَجة في آياتِ القُرآن الكَريم هي خيرٌ وأبلغ حُجَّة على تشكيكهِم المزعُوم ، فالله سُبحانَه وتَعالى هو الذي كلَّف الرَسول المُصطفي باِلرسالة، وهو بالتالي أعلمُ بحالهِ وهو سُبحانه الوَحيد المُتكفِّل بِنُصرتِهِ على أعدائه، لِذلك فهو خيرُ نَصير، وخيرُ ځجَّة على الكافرين.
أمَّا بِخصوص شهادةَ مَن عِندَهُ عِلمُ الكِتاب وهي التي تَأتي بَعد شَهادة الخَالق بأنَّ الرَسول حقٌ والقُرآنُ حقٌّ مِن عِندِ الله العَزيز القَدير، فهذهِ الآيةُ تُشير بأنَّ شَهادَة مَن عِندهُ عِلمُ الكِتاب شهادةٌ عظيمة ذات مِصداقية أكيدة عِند الله والناس أجمعين.
وكأنَّ الرسولُ يقولَ للقومِ الكافرينَ برسالتهِ للعالمين، بأنَّ هذهِ شهادةُ اللهَ تَجِدونَها في كُتبهِ السماوية المنزَّلة على العالمين، فإن لم تؤمنوا بِها فهذهِ شَهادة أصحابِ العِلم والمَعرِفة مِن بيَنِكُم والمتميزين عنكُم بِما لديهِم مِن عِلمٍ عَظيمٍ قَد إكتسبوهُ عَن طريقِ دِراستِهِم للكُتبِ السَماوية، وهُم بِذلِكَ نالوا مَكانةً رَفيعة عِند الله سُبحانَهُ وعِند النَّاسِ أَجمعين .
من هَذا التَفسير المُختَصر لهذهِ الآيةُ الكَريمة جاءَ إسمُ هَذا الكِتاب وفِكرَتَهُ لتِكون إِنطلاقةُ حقيقية لِعصرٍ جَديدٍ مِن العِلمِ والمَعرِفة المَبنية على أُسس قوية لثوابت حقيقية وواقعية نَستلخِصها مِن الكُتب السَماوية، وأولُها القُرآن الكريم لكونهِ الكِتاب المُقدَّس الوحيد الذي حَفظَهُ الله بكلِمَاتِهِ كي لا تَطله يدُ الغِشِ والخِداع فتعبَثُ بهِ كَما فَعلت بالكُتبِ السَماوية مِن قَبلهِ وذلك بناءاً على ما جاء في القرآن بأنَّ جَميع الكُتب السَماوية السابقة قد تمَّ تزيفُها والعَبَثُ بِها، مما يدعوننا لِعدم الخوض فيها كونها غير مُسنَدة أو صحيحة، ونكتفي بالإشارة إليها مِن قريب أو بعيد وذلك بالإسمِ فَقط وليسَ المَضمُون، آملين وداعينَ إلى الله َأن يجَعل مِن بينِ أصحاب ِعلمِ الكِتاب
مجموعةٌ تتكفل بإعادة صِياغة هذهِ الكُتب السَماوية بالإسلوب الذي يُزيل عنها كلِّ لَبسٍ وغِش قد أصابَها بحيث تتوافَق مع ما جاء في القرآن الكريم مِن هُدي وصَلاح للناس أجمعين ، لتكونَ هذهِ الكُتب السَماوية بعدَها ذات مِصداقية وفائِدة لجميعِ خَلقِ الله وليتمكن المُسلمونَ مِن الإستِفادة مِن عِلمِها وأَحكامِها الجَليلة عَن طَريق دِراستِها والتَعمُّق بِها، فالمسلمون مطالبون مِن الله الخالق الوهَّاب بالإيمان الكامل والتصديق اللامحدود بجميع كُتبهِ السماوية المُقدَّسة دون إستثناء لأي كِتاب مِنها ، وإننا لنَجِدُ هذهِ المُطالَبة في العديدِ مِن الآيات القُرآنية كالآيات الأوائل مِن سورة البقرة من الآية 1 إلى الآية 5 حيث جاء فيها: بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ
(الم (1) ذَلِكَ الْكِتَابُ لَا رَيْبَ فِيهِ هُدًى لِلْمُتَّقِينَ (2) الَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِالْغَيْبِ وَيُقِيمُونَ الصَّلَاةَ وَمِمَّا رَزَقْنَاهُمْ يُنْفِقُونَ (3) وَالَّذِينَ يُؤْمِنُونَ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْكَ وَمَا أُنْزِلَ مِنْ قَبْلِكَ وَبِالْآخِرَةِ هُمْ يُوقِنُونَ (4) أُولَئِكَ عَلَى هُدًى مِنْ رَبِّهِمْ وَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ (5)) صدق الله العظيم.
أو كقوله تعالى في أواخر سورة البقرة الآية 285 : ( آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ وَقَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا غُفْرَانَكَ رَبَّنَا وَإِلَيْكَ الْمَصِيرُ (285)).
فهذا الإيمانُ يتطلَّب مِنَّا دِراسةً وفهماً عميقاً لهذهِ الكُتب ، وعليه يتوجَّب علينا أولاً أن نحصَل على النُسخ الأصلية لهذهِ الكُتب المُقدَّسة، وإذا تعذَّر ذلك فعلينا أن نتحدى أولئكَ الذينَ عَبَثوا بِها لنُعيدَهَا إلى وضعِها الصَحيح عَن طَريقِ مُقارنَتِها بالقرآنِ الكريمِ الذي نَعرِفَهُ جِيداً ، فكلُّ ما نَجِدَهُ يُخالِف آیاتِ اللهِ البينات الموجودة في القرآن العزيز علينا أن نحذفهُ مِن هذهِ الكُتب الطاهِرة حتى يكون بعد ذلك بين أيدينا كُتب مُقدَّسة هي أقربُ للأصل مما هي عليهِ الآن.
إذاً، فهنا تكمُن أهمية أصحابِ عِلم الكِتاب بالنسبة للمُسلمين وللناسِ أجمعين ، وكيف لا وهُم من شَهِدَ اللهُ لهُم بالعِلمِ والمَعرِفة لِدرجة الأخذ بشهادتِهِم في قضية عَظيمة وحَساسَة، ألا وهي تأکید نبوَّة ورِسالة المُصطفی عليهِ الصلاة والسلام.
فعلى هذا الأساس كانَ عِلمُ الكِتاب عِنوانا لَنا، وموضوعاً رئيسياً نتحدَّث عَنهُ ونَستشهِد بهِ في هَذا الكِتاب ، وذلك لأننا نُدرك بِحق أَهمية مَفهوم عِلمُ الكِتاب للذينَ يُؤمِنونَ باللهِ واليومِ
الآخِر.
فتَفسيرُ ما جاءَ في سورةِ الرَعد السابقة الذكر بقولهِ تَعالى (وَمَنْ عِنْدَهُ عِلْمُ الْكِتَابِ) نَجدَهُ واضِحاً وجلياً بمفهومهِ العاَم والمُبسَّط ، فالمقصودُ هُنا ( واللهُ أعَلم ) الشخَص الذي عِندَهُ عِلم ٌمِنَ الكِتاب ، والمقصود بعلمِ الكِتاب هُنا، هو عِلمٌ كباقي العِلوم الدينية المعروفة لدينا مثل عِلمُ الفِقه وعِلمُ الشَريعة وعِلمُ اللاهوت وغيرِها مِن العِلوم المُختصَّة في دِراسة الكُتب السَماوية على وجهِ الخُصوص ، ولكنَّهُ يتَميَّز عَنها مِن حَيثُ التَأسيسِ والمنشأ.
فمفهومِ عِلمُ الكِتاب قد بُنيَّ على أَساس عِلمُ الخَالِق جلَّ وعَلا الذي إرتَضى سُبحانهَ أن يَضَع بعضَ عِلمِهِ الخَاص بالبَشر في كِتابٍ كريمٍ ليكون جُزءاً مِن أُمِّ الكِتاب ، وأمُّ الكِتاب هو ذلك الكِتاب العَظيم الذي فيهِ العِلم الشَامِل لِكُلِّ شيءٍ والذي نَجِدَهُ مَحفوظاً في السماءِ عِند الخَبير العَليم حيث يتمتَّع بِمكانةٍ عَالية وحكيمة لدى ربُ العَالمين والخَلقُ أَجمعين، ونستنتج هذهِ المَفاهِيم من تَفسيرنا لِقولهِ تَعالى في سورةِ الزُخرُف مِن الآية 1 إلى الآية 6:
بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ : ( حم (1) وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2) إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3) وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4) أَفَنَضْرِبُ عَنْكُمُ الذِّكْرَ صَفْحًا أَنْ كُنْتُمْ قَوْمًا مُسْرِفِينَ (5) وَكَمْ أَرْسَلْنَا مِنْ نَبِيٍّ فِي الْأَوَّلِينَ (6) ) صدق الله العظيم.
فالكلمة المكونة من (ح) و(م) هي في نَظَرِنا (واللهُ أعلَم) عِبارة عَن حُروف جاءَت لِتُعطي مَخارِج صَوتية مُحدَّدة لتوَّلِد لَدى الَقارِئ رُدود فعلٍ خَاصة تُهيئَهُ باِلتَالي ليَتَقبَّل المَوضُوع ويَفهمَهُ بِالصورة الَصحيحة، وذَلِك بَعد أن يتكوَّن لَديهِ الإنطباع الأولي عما سوف يأت بعد هذه الأحرف مِن مَواضِيع مُهِمَّة .
نُلاحِظ ذَلك جلياً في عفوية التصرُّف البَشري عِندما يُباشر في إلقاء كلمةٍ أمام حَشدٍ كَبيرٍ أو في مَحافِل مُعيَّنة فَنَجِدهُ يَبدأ بإصدار مَخارِج صَوتيه خاصَّة بهِ ليُثيرَ إنتباه مَن حَولَهُ أو لِيَستَعِدَّ هو شخصياً كي يتَمكَّن مِن إلقاءِ كَلِمتَهِ، وعليهِ فإننا نَجد أنَّ كِلا الحَرفينِ السَابقينِ إنَّما جَاءا للدلالة على الرحمَّة العَظيمة والعِلم الحَقيقي الذي يُمكِن أن يتَبيَّنُها الإنسان في الآيات التي تَليهِما، حيث جاء قوله تعالی (وَالْكِتَابِ الْمُبِينِ (2)) ليضَعَ كِتابَ اللهِ العزيز وكَلِمَاتِهِ المُحكَمات التي نَجِدُها في القرآن الكريم لتكون بداية هذهِ السورة الكريمة لتُثير إنتباه الناس إلى ذلكَ الكِتاب وإلى تِلك الكَلمات، فجاء وصف (المُبينِ) بمعنى واضح الدلالة الذي لا يَعتريهِ أي غُموض أو صُعوبة في الفَهم لِمَن يَخلِصونَ النيَّة ويتَّقونَ اللهَ في فِعلِهِم وقولِهِم فَتنجَلي المَعاني البيِّنات أمامَهُم وتتَضِح الصورة لديهِم فيَروا الأمور على حقيقَتِها التي خَلقَها اللهُ بِها، وهَذا التفسير تؤكِدَهُ الآية التي تَليه لقولهِ سُبحانهُ ( إِنَّا جَعَلْنَاهُ قُرْآنًا عَرَبِيًّا لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ (3)) فنِزُول القُرآن الكريم باللُغة العَربية يخدم الغَرَض الذي جاءَ مِن أَجلهِ وهو البَيَان في الدلالة والمَعانِي التي تحَتويهِ آياتَهُ المُحكمات، ولعلَّ ذلِكَ يُفيد النَّاس ويَجعَلَهُم يَعقِلون ويَفهَمون حَال دِينِهِم ودُنَياهُم على حقيقتِهِما التَي خَلقها الله بهما.
وهذا تكريمٌ ورحمةٌ عَظيمةِ مِن الخَالِق الوهَّاب إتجاه خَلقِهِ وعَبيِده الصَالِحين والُمؤمنين بهِ بِحق ليَسهَل عليهِم فِهم دينِه .
حيث جاء قولَهُ تعَالى (وَإِنَّهُ فِي أُمِّ الْكِتَابِ لَدَيْنَا لَعَلِيٌّ حَكِيمٌ (4)) لتأكيد مَرجَعيةِ القُرآن الكريم إلى الله وإلى عِلمِه الشَامِل لِكلِ شيءٍ عَلى الإِطلاق، والكامِل بِمَعنى الكَلِمة فلا ينقصهُ شيءٌ أبداً ، ليُصبِحَ بِالتَالي مِن المُستحيل تَطويرهُ أو الإضافة عليهِ في أي ظَرفٍ أو زَمان وأيِ مَكان كان، فنُسخَةُ هَذا الِكتاب مَوجُودَة في أُمِ الكِتاب والمَحفُوَظة بِدورِها عِند الحَكيم العَليم ، وبِالتالي فهي موثَّقة ومُحكَمة في مَكانٍ لا تًطلِهُ أو تَصل إليهِ أي يدٍ مَهمَا كان شَأنُها أو مَقامُها عندَ الخَالق العَظيم، وهَذا إن دلَّ على شيءٍ فإنما يدلُّ على عَظمة الكِتاب الذي بينَ أيدِينا والذي نَتصفَّحهُ ونَقرأ آياتِه ونُردِد كلامَهُ كل يوم وكل ساعة .
فهل ياتُرى نحن نُدرِك حَقاً مَعنى أن يَكون هَذا الكِتاب العَظيم الَشأن عِندَ رَبِّ العَالمين بَينَ
أيدينا ومكتوباً بِلُغَتِنا ؟
وماذا يمكن للناس أن يطلبوا أكثر من ذلك كي يعوا ويفهموا ليعقلوا ، أو هل يجب على الله والعياذ به وكما قال سبحانه ( أفنضرب عنكم الذكر صفحا أن كنتم قوم مسرفين ) أن يبعد
عنكم العلم والفهم أي الذكر ويضعه جانبا كعقاب لكم بكونكم قوما مسرفين ومفرطين
بحقوقكم وبدینکم ومستقبلكم ؟
هذا سؤالٌ مُهمٌ جِداً بِالنِسبَةِ لَنا جميعاً وعَلينا أن نُفكِّر بهِ مَلياً قَبل أن نَرُدَّ عليهِ أو أن يكونَ لَنا
تَصرف باتجاهِهِ .
فالقُرآن الكَريم بِذلك يَكون ذا صِلة وثِيقَة بِعلمِ الله المُطلق الذي وسِع عِلمَهُ كلَّ شيءٍ ، فهو يتميَّز عن العِلومِ الوضَعية الأُخرى مِن حيثُ الفَاعلية والدوام ، ويتفضَّل عليهَا مِن حيثُ القِيمَة والأهمية التي أولَاها لهُ ربُّ العَالمين .
فعِلمُ الله نافِذ لا مَحالة ، وقوانينهُ واِجبة التَنفيذ والتَطبيق في جميع الأحوال والظروف، سواءاَ كان ذلِك في الدُنيا أم في الآخِرة ، بِمَعنى أنَّ ما نَدرُسه هُنا يَسري علينا كبَشر في حياتِنا القصيرة التي نقضيها على الأرضِ وكذلك في حَياتِنا الأبَدية التي تنتظرُنا في الآخِرة ، وحجَّتُنا في ذلك نجِدُها جلَّية بِربطنا الآيات السابقة بالآيات الآنفة الذكر لنستلخص من خلالِهما العِبر والمفاهيم القيِّمة ، والتي تضمنتها صفحاتُ هَذا الكِتاب بمِواضِيعَهُ العَديدة.
ففي هذهِ الآيات جاءَ سرد لِقصَّة نَبينا سُليمان ( عليه السلام ) عِندما طَلب مِمَن حَولَهُ مِن إنس وجِن أن يَحضِروا لهُ عَرش بَلقيس مَلكة سَبأ، ليكونَ أمَامَهُ في أَسرَع وقت مُمكِن، ولَقد كانَ ما كان ِمن أَمرِها، حيثُ جاءَ قول اللهِ تعَّالى بِهذا الخُصوص في سورة النمل الآيات 38-40 :
بسم الله الرحمن الرحيم (قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ (38) قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ (39) قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ فَلَمَّا رَآهُ مُسْتَقِرًّا عِنْدَهُ قَالَ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ (40)).
عِندَ قِرائَتِنا لهذهِ الآياتِ البينات نَستَنتِج بأنَّ مَن يَمتَلك عِلمُ الكِتاب هُنا هو عِبَارَة عَن مَخلوق بَشري مِن الإنس، وهَذا بنِاءاً على ما جاء في العديد مِن التَفاسير الخَاصة بهذهِ الآيات الكريمات، ومن ِسياَّق تِلك الآيات يتَضِّح لَنا بِأنَّ هَذا الإنسان يَمتِلك قُدرات وإمكانيات تَفوق كثيراً تِلك التي يَمتلِكُها الجِنَّ والشَياطين ، وذلك يعود إلى ما يَمتَلِكَهُ مِن قُدرات وإمكانيات إكتَسَبَها عَن طَريق مُمارستهِ للمَفاهيِم والعُلوم المُستنبِطة مِن عِلمُ الكِتاب، والتي مَكنتَه بِالتالي من تَحدي الشياطين بما لديهِم مِن قِوی شَیطانية ، فقام بِإحِضَار عَرش بَلقيس بَلمحِ البَصر ، وما كان ذلك ليتم إلا بِفَضلِ الله على ذَلك البَشري وعَلى العَالمين وبمشيئتِهِ وحدَهُ ، فهذهِ الإمكانيات والقُدرات لا يمَتلُكَها شَخصٌ عَادي ، وإنِما تَأتي عَن دِراسة وعِلم مُستفيضَين يسَّرها الله لِذلك العَبد بالتَحديد، مِما إستوجَبَ بالتالي الشُكر الجَزيل لِفضلِ الله على نَبيَّنا ُسليمان (عليهِ السَلام) بأن جَعل أحَد حَاشَّيته إنسانا عنَّده عِلمٌ مِن الكِتاب، ومَا جَاء ذِكرُ الإبتِلاء في هذهِ الآياتُ الكريمات إلا للدلالة على عَظَمةِ هذا العِلم الذي يُمكِّن صَاحِبَهُ مِن القِيام بأِعمَّال خَارِقة للعَادة والتي قد تُؤدِّي باِلتالي إلى الفِتنة والغُرور أو إلى التَواضُع والخُشوع لله الواحِد القهَّار .
وبعد أن تمَّ شَرح هذهِ الآيات الكريمات بالصورة التي يفهمُها الجَميع ، باشرنا بربِط قُدرات وإمكانِيات مَن يمتلَك عِلمُ الكِتابِ في هَذهِ الآيات بعظَمَةِ ورِفعة ومَكانة هذا الشخص نفسهُ عِندَّ ربِ العَالمين والمَنصوص عليه ِفي الآيات التي سَبَقت آيتُنا هذهِ، لِنَجِد أنفُسِنا بعد ذلك أمَام إنسانٍ عادي تَميَّزَ عَن غَيرِهِ مِن بَني البَشر بِعلَمه المُستَنبَط من عِلمِ الكِتاب لِيَكون بَعدَها شَخصٌ لهُ مكانَتَهُ العَظيمة عِندَ رَبِّ العَالمَين وعِند الرُسُل والأَنبياء أجمعين .
فهل ياتُرى لِعُلَماَء البَشَر الحاليين نَفس المَكانة الرَفيعة التَي يَمتلِكُها ذَلك الشَخص العَالِم المَذكور
في الآيتَين السَابِقتين؟
لقد جاء في سورة الحج الآية ۷۰: ( أَلَمْ تَعْلَمْ أَنَّ اللَّهَ يَعْلَمُ مَا فِي السَّمَاءِ وَالْأَرْضِ ۗ إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ ۚ إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ ﴿٧٠﴾).
نُلاحِظ هُنا أنَّ هَذِهِ الآية الكَريَمة قد بدأت بِصيغة الإستفهام الَّذي فِيهِ تَقرير يُفيد بأهمَّية وعَظّمة عِلمُ الله الذي يَشمَل خَصائِص ومُكوِنَات السَماءِ والأرض، ِليُلفِت الإنتِبَاه بِالتَالي إلى أَهمَّية وعَظمة المَعلومَة الجَليلة وهي تِلك التي تُنوِّه إلى عِلم الله (جّلَّت قُدرَتُه) الخَاص بالعِلوم والمَباديء التي بُنيَّت على أساسِها السَماء والأرض، وإنَّ ذَلك كُلَّه لا بُدَّ أن نَجِدَهُ في كِتابٍ مَقروء مِن قِبلنِا، بِدَليل قولَهِ تَعالى ( إِنَّ ذَٰلِكَ فِي كِتَابٍ )، حيث جاءت هذه الجُملة مِن الآية الكَريمة للتأكيد على أهمية ذلك العلم الذي يخدُم البَشرية المُرتَبِطة بِشكلٍ أو بآخَر بِوجود السماء والأرض، وبالتالي فَهَو مُهِمُ جداً بالنِسبةِ للإنسان ولِوجُودِهِ ، بدليل قولَهُ تَعالى ( إِنَّ ذَٰلِكَ عَلَى اللَّهِ يَسِيرٌ)، حيثُ إنَّ هَذا الشَأن يَسير على الله لِدَرَجة أنَّه مُدوَّن بأسلوبٍ مُيسَّر لِيُسهِّل قِراءتَهُ ودِراسَتَهُ مِن ِقبل عَبيده الصالحين والمؤمنين به ، وإلا فَما فَائِدة أن يَكون عِلمُ اللهَ الخَاص في السماواتِ والأرض قد تمَّ وضعَهُ في كِتابِ كَريم ، دونَ أن يكونَ هَذا الكِتاب وهَذا العِلم في مُتناوَل الجَميع ، ولكون هذا العَمل يَسيرُ على الله كَسائِر الأعمال، فلا يُوجَد هُناك مَا يَمنع بِأن يَكون ذلك العِلم في كِتاب الله المُوجَّه لِخَلقِهِ وعبادِه مِن العَالمين، فالمكتوبُ عادةً يَدَلُ على صَاحِبَهُ وهَو يَدل كَذلك على مَدى عِلمِهَ وحِكمَتهُ ، فأيُّ كلَام صَادر مِن الخَالق القهَّار ومُرسِل إلى العالمَين، لا بُدَّ أن يكون صَادراً بعلم الله العَليم الخَبير وبِمَعرِفتِه - جلَّت قُدرَتُه ليَّجِد فيهِ العِباد الصَالِحون رحمَة الله وحِكمتَهُ الموهُوبة للخَلق أجمَعين ، فلا يُمكن أن يكون لأي كلمةٍ أو حرفٍ في هَذا الكِتاب المُقدَّس إللَّا مَعنی کَبیر ودَلالة عَظيمة ، كيف لا وهي صادرة من لدُن خبيرٍ عَليم.
ولأننا على يقينٍ بكونِنا لمَ نُخلق عَبثاً ، وبأننا إلى رَبنِا رَاجِعون ، ولِكونِنَا أيضاً مُحاسَبون ومَسؤولون لا مَحالة على مَا نَفعل في هذهِ الحَياة الدُنيا ، فلا بُدَّ إذاً أن يكونَ في أيدينا عِلمٌ ، أي سِلاحٌ لِنقَاوِم الشَّر فيهِ وننصُر الخَير علَى أسَاسِهِ ، وإللا لكانَت لَنا حُجَّة على الله في أمرِنا هذا ، والله عَادِل في حُكمِهِ ، کَامِل في صُنعِه ، عَظيمٌ في خَلقِه.
فنحنُ كَبشَر خُلِقنَا ضُعفاء أمام التحديات التي نواجِهُها كل يوم في حياتِنا التي نَعيشُها على الأرض، وبالتالي فمحاولتنا للاستِعانة بِمفَاهِيم وعِلوم مُحدَّدة مَطلبٌ شَرعي لَنا لا نَستطيع كَبَشر أن نَتجاوز عَنهُ .
فعلى سَبيلِ المِثال نحن بِحاَجَة إلى كِسوَّة لأَجسادِنا كي تُقينَا حَرَّ الصَيف وبَردَ الشِتاء، وكذلك نحنُ بِحاجة إلى مَسكن آمِن لِنَنَام فِيهِ وتَقِر أعُينِنَا، أما بِخُصُوصِ الطعَّام والشَراب فهَذان لَن يتوفرا دون أن يَكون بِحوزَتِنا آلة محدَّدة نَستَخدِمُها بِأسلوب مَبني على عِلمٍ مُسبَق بطريقة استخدام تِلك الآلة، وذَلِك حَتى يَتِّم التغلُب على المُعوقَات التي قد تواجِهُنا أمام َتَحقيقِ غَرض الحُصول عَليها، وعَليهِ فَلِجوءِ بَنِي البَشر لإستِقطَاب مَصادر خَارجية غَير ذَاتية ليَتَم عن طريقِها تَوفِير أغلَب مُتَطلبَات الحَياة الخَاصَّة بهِم هو أمرٌ حَتمي تفَرِضُهُ طَبيِعة الحال ، لذلك نَرى أنَّ عَدالة الله ورَحَمتَهُ إقتضت أن يكون بينَ أيدينا بعَضُ عِلمِهِ الذي يَنفَعُنا في دنيانا لِيَكون بديلاً شرعياً لنَا نَطرحه حِينَما يَكون هُناكَ تَخبُّط وعَدم إستِقرار في مَفاهِيمنا وَمدارِكُنا البَشرية والتي قَادت الكَثير مِن النَّاس وفي مُعظَم الأحيان إلى الضَلال وإتبَّاع الهَوى وبِالتالي إلى الكُفر والإِلحاد .
وعليهِ فعِلمُ الكِتاب يَكون هُنا هُو السَبيل الوَحيد إلى رَحمةِ مَولانا الخَالق الأحَد في الآخرة ، وهذا العلم الوحيد هو علم القران الكريم ومن قبله علوم التوراة والإنجيل وغيرها من الكتب السماوية والتي يسَّرهَا الخَالِق لِبَني البَشر لتِكون نُوراً وهُدىً للناسِ أَجمعين.
ومن خِلال تَعُمقِنا في البَحث عَن خَصائِص ومُميزَات عِلمُ الكِتاب ، كونهُ عِلمٌ مُستَقِل عَن العِلوم الدُنيَوية الأُخرى ، تَوصلنا إلى تعريف مُحدَّد لِهَذا العِلم قَد لا يُشاركًهُ عِلمُ آخَر مِن تِلكَ العِلومِ المُتَدَاوِلَة حَالياَ فَي تعريفهِ، ويتلخَّص بأنَّهُ هو العِلم ُالحَقيقي والوحيد ، الذي يُتيح لنَا المَجال للوصولِ إلى الحَقيقة المُطلقة.
فَحقيقة عِلمُ الكِتاب تتَجلَی بِكونِهِ عِلمُ مَبني على مَبدأ الإسلام، يختَلِف عَن العِلومِ الإسلامية الأُخرى بأنَّهُ عِلمٌ يَعتمد على قُوة التَواصُل الرُوحي بين العَبدِ وربَّهُ وأَساس مِصداقيتُه في مدى قُدرتِهِ على طَرح البَدائِل والُحلول المنطَقية والعَملية للمَشاكِل والمُتغِّيرات التي تُواجِه المُؤمِن في حياتهِ اليومية ، أما العلوم الإسلامية الأخرى كالفقه والشريعة وغيرها فهي مبنية على ما تم نقله من السَلف الصَالِح للأحاديث والسُنن النَبوية حَصراً ، وعلى ما تمَّ إعتمادّهُ مِن قبِل الأئمَّة الصَالحينَ شَرعاً، وعليهِ فمِصداقية هذهِ العُلوم تَعتمِد على مِصداقية تِلك الأحاديث المَنقولة، وعلى صحَّة تِلك الشَرائِع التي سنَّها مَن َسبقنا في الإسلام ، إذاً فهُناك فَرقٌ كبيرٌ بين عِلمِ الكِتاب كعلمِ ديني إسلامي شامل وبين العلوم الإسلامية الأخرى كعُلوم مُتخصِصة في مَجالاتِ محدَّدة وحَالاتٍ خَاصَّة جداً.

مِن كِتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) صفحة 019-025
تأليف: محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)