حقيقة خلافة الإنسان في الأرض

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
122
الإعجابات
116
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حقيقة خلافة الإنسان في الأرض​

عندما خلق الله خالق الخلق سُبحانه الإنسان ، قال لبقية خلقه وأولهم الملائكة بأنَّهُ جاعل في الأرض خليفة ، فاحتجت الملائكة ومن خلفهم خلق الله من منطلق عدم معرفتهِم بحقيقة وطبيعة هذا المخلوق الجديد ، فما بالك بأن يكون خليفة الله على الأرض ، متحججين بقدرة هذا الإنسان بما وهبه الله من قوة وإرادة وصرامة وغيرها من الصفات التي تؤهلهُ من أن يدمر ويسفك الدماء في الأرض وهم خِلاف ذلك ، فما كان من الله العزيز الحكيم سوى أن يُظهِر للمخلوقات جميعاً هِبة التعلم والتفكير والاستنتاج التي يمتلكها الإنسان والتي من شأنها أن تُسيطر على القوة والإرادة وغيرها بحيث تكون النتيجة مخلوق مُتكامل الصفات جدير بأن يكون خليفة الله ويدير الأرض بما يُرضي الله ، فقال لهُم الله حينها بأنَّهُ سُبحانه يعلم بشأن هذا المخلوق مالا تعلمهُ الملائكة أو أي مخلوق آخر .

فباشر الخالق بتعليم الإنسان الأسماء والرموز جميعها ، ثم عرض أمام المخلوقات بعض أسرار خلقه مطالب الملائكة والمخلوقات جميعاً بذكر أسماء أو رموز هؤلاء ، فكان قولهُم بأنَّهُم لا يعرفون إلا ما قام الله بتعليمهِم إياه ، فاستيعاب المخلوقات الغير بشرية لا يتعدى ترديد وتلبية أوامر الخالق وتعليماته ، أما الإنسان فله القدرة على الاستنتاج وربط الأمور والتفكير بها ، فعلى سبيل المثال ما حصل لسيدنا إبراهيم عليه السلام ، فسيدنا إبراهيم عليه السلام قد وصله رمز أو اسم الرب ، ولكنَّه عندما فعل كما يفعل الآخرون بنسب اسم الرب إلى الشمس أو القمر أو غيرهُم من الآلهة المزعومة في زمانه ، لم يقبل عقله أو فهمه وبالأحرى لم يفتح رمز الرب أبواب السماء عندما يُستخدم بغير مكانه أي لغير الله ،

فبعدما يأس من معرفة خالقهِ بناءاً على الرمز أو الإسم الذي يمتلكه قام بتوجيه الرمز إلى السماء طالباً من الرب الحقيقي الهداية والغفران فاستجاب لهُ الله بل وجعله أمَّة ، أي حصر في نسله الأنبياء والرُسل لنجاحه في فهم الرمز والاسم الذي كان يُساء استخدامه بين الناس ، كما جاء في قولهِ تعالى من سورة الأنعام : وَإِذْ قَالَ إِبْرَاهِيمُ لِأَبِيهِ آَزَرَ أَتَتَّخِذُ أَصْنَامًا آَلِهَةً إِنِّي أَرَاكَ وَقَوْمَكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ (74) وَكَذَلِكَ نُرِي إِبْرَاهِيمَ مَلَكُوتَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلِيَكُونَ مِنَ الْمُوقِنِينَ (75) فَلَمَّا جَنَّ عَلَيْهِ اللَّيْلُ رَأَى كَوْكَبًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَا أُحِبُّ الْآَفِلِينَ (76) فَلَمَّا رَأَى الْقَمَرَ بَازِغًا قَالَ هَذَا رَبِّي فَلَمَّا أَفَلَ قَالَ لَئِنْ لَمْ يَهْدِنِي رَبِّي لَأَكُونَنَّ مِنَ الْقَوْمِ الضَّالِّينَ (77) فَلَمَّا رَأَى الشَّمْسَ بَازِغَةً قَالَ هَذَا رَبِّي هَذَا أَكْبَرُ فَلَمَّا أَفَلَتْ قَالَ يَا قَوْمِ إِنِّي بَرِيءٌ مِمَّا تُشْرِكُونَ (78) إِنِّي وَجَّهْتُ وَجْهِيَ لِلَّذِي فَطَرَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضَ حَنِيفًا وَمَا أَنَا مِنَ الْمُشْرِكِينَ (79) وَحَاجَّهُ قَوْمُهُ قَالَ أَتُحَاجُّونِّي فِي اللَّهِ وَقَدْ هَدَانِ وَلَا أَخَافُ مَا تُشْرِكُونَ بِهِ إِلَّا أَنْ يَشَاءَ رَبِّي شَيْئًا وَسِعَ رَبِّي كُلَّ شَيْءٍ عِلْمًا أَفَلَا تَتَذَكَّرُونَ (80) وَكَيْفَ أَخَافُ مَا أَشْرَكْتُمْ وَلَا تَخَافُونَ أَنَّكُمْ أَشْرَكْتُمْ بِاللَّهِ مَا لَمْ يُنَزِّلْ بِهِ عَلَيْكُمْ سُلْطَانًا فَأَيُّ الْفَرِيقَيْنِ أَحَقُّ بِالْأَمْنِ إِنْ كُنْتُمْ تَعْلَمُونَ (81) الَّذِينَ آَمَنُوا وَلَمْ يَلْبِسُوا إِيمَانَهُمْ بِظُلْمٍ أُولَئِكَ لَهُمُ الْأَمْنُ وَهُمْ مُهْتَدُونَ (82) وَتِلْكَ حُجَّتُنَا آَتَيْنَاهَا إِبْرَاهِيمَ عَلَى قَوْمِهِ نَرْفَعُ دَرَجَاتٍ مَنْ نَشَاءُ إِنَّ رَبَّكَ حَكِيمٌ عَلِيمٌ (83).

نعود لموضوعنا لنجد بأنَّ آدم قد أخبرهم بأسمائهم رغم عدم معرفتهِ المُسبقة بهِم وبذلك يكون الخالق قد أثبت وجهة نظره بأنهُ يعلم بشأن هذا الإنسان مالا يعلمه الجن ولا الملائكة ، وبأنَّ الإنسان قادر في النهاية على فك الألغاز ومعرفة الحقيقة بما يملكه من علم رباني قد أودعه الله في عقله مُسبقاً ، وهذا ما نقرأه في الآية الكريمة من سورة البقرة : وَإِذْ قَالَ رَبُّكَ لِلْمَلَائِكَةِ إِنِّي جَاعِلٌ فِي الْأَرْضِ خَلِيفَةً قَالُوا أَتَجْعَلُ فِيهَا مَنْ يُفْسِدُ فِيهَا وَيَسْفِكُ الدِّمَاءَ وَنَحْنُ نُسَبِّحُ بِحَمْدِكَ وَنُقَدِّسُ لَكَ قَالَ إِنِّي أَعْلَمُ مَا لَا تَعْلَمُونَ (30) وَعَلَّمَ آَدَمَ الْأَسْمَاءَ كُلَّهَا ثُمَّ عَرَضَهُمْ عَلَى الْمَلَائِكَةِ فَقَالَ أَنْبِئُونِي بِأَسْمَاءِ هَؤُلَاءِ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (31) قَالُوا سُبْحَانَكَ لَا عِلْمَ لَنَا إِلَّا مَا عَلَّمْتَنَا إِنَّكَ أَنْتَ الْعَلِيمُ الْحَكِيمُ (32) قَالَ يَا آَدَمُ أَنْبِئْهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ فَلَمَّا أَنْبَأَهُمْ بِأَسْمَائِهِمْ قَالَ أَلَمْ أَقُلْ لَكُمْ إِنِّي أَعْلَمُ غَيْبَ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَأَعْلَمُ مَا تُبْدُونَ وَمَا كُنْتُمْ تَكْتُمُونَ (33).

تبقى مسألة الغرور والتكبُّر عند الإنسان وهو الأمر الذي يُصاحب ويٌفسد المعرفة والاستنتاج والتفكير ، كيف لا وقد تمييز الإنسان عن باقي المخلوقات بمعرفة حقيقة الأسماء والرموز ، وهذا الأمر كان فرصة للشيطان اللعين بأن ينزغ أي يُفسد عِلم الإنسان بهذهِ الأسماء وذلك عن طريق دفع الإنسان إلى نسيان تلك الأسماء والرموز والكيفية التي يتم استخدامهُ لهم ، فكان هذا الأمر خوف الإنسان الأول ، فالإنسان المؤمن لا يتوقف عن الدعاء إلى الخالق بأن لا يُنسيه ما قد تعلمه من الله ، لقولهِ تعالى في سورة البقرة : لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا لَهَا مَا كَسَبَتْ وَعَلَيْهَا مَا اكْتَسَبَتْ رَبَّنَا لَا تُؤَاخِذْنَا إِنْ نَسِينَا أَوْ أَخْطَأْنَا رَبَّنَا وَلَا تَحْمِلْ عَلَيْنَا إِصْرًا كَمَا حَمَلْتَهُ عَلَى الَّذِينَ مِنْ قَبْلِنَا رَبَّنَا وَلَا تُحَمِّلْنَا مَا لَا طَاقَةَ لَنَا بِهِ وَاعْفُ عَنَّا وَاغْفِرْ لَنَا وَارْحَمْنَا أَنْتَ مَوْلَانَا فَانْصُرْنَا عَلَى الْقَوْمِ الْكَافِرِينَ (286) ، وكان عِلاج أمر نسيان الرموز والأسماء بأن يُطيع الإنسان ربهُ ويتعوذ من الشيطان الرجيم لقولهِ تعالى في سورة الأنعام : وَإِذَا رَأَيْتَ الَّذِينَ يَخُوضُونَ فِي آَيَاتِنَا فَأَعْرِضْ عَنْهُمْ حَتَّى يَخُوضُوا فِي حَدِيثٍ غَيْرِهِ وَإِمَّا يُنْسِيَنَّكَ الشَّيْطَانُ فَلَا تَقْعُدْ بَعْدَ الذِّكْرَى مَعَ الْقَوْمِ الظَّالِمِينَ (68)، ولقولهِ تعالى في سورة طه : وَلَقَدْ عَهِدْنَا إِلَى آَدَمَ مِنْ قَبْلُ فَنَسِيَ وَلَمْ نَجِدْ لَهُ عَزْمًا (115)، أو لقولهِ بسورة الأعراف : وَإِمَّا يَنْزَغَنَّكَ مِنَ الشَّيْطَانِ نَزْغٌ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ إِنَّهُ سَمِيعٌ عَلِيمٌ (200) إِنَّ الَّذِينَ اتَّقَوْا إِذَا مَسَّهُمْ طَائِفٌ مِنَ الشَّيْطَانِ تَذَكَّرُوا فَإِذَا هُمْ مُبْصِرُونَ (201).

مما سبق نستنتج بأنَّ الإنسان عندما تمَّ خلقهُ من قبل الرحمن قد تمَّ تعليمهُ الأسماء والرموز جميعها ، وذلك لكي يُسيطر على قوتهِ وعزيمته ويمحي غروره وكبرياءه وتكبره ، وما أن يتدخل الشيطان وينزغ أي يُفسد علمه وحكمته ويُنسيه ما تعلمهُ من الله ، يصبح الإنسان العالم مغروراً وجشعاً ومُتكبراً ، وهذا هو حال أغلب ما يطلقون على أنفسهم علماء المادة في وقتنا الحالي وفي الأوقات السابقة ، وبمجرد أن يستعيذ الإنسان بالله من الشيطان بكل صدق وأمانه ويقين فيعود الإنسان ليُبصر ما قد عمي عنه ، ويرى الأمور على حقيقتها ، فيتذكر حينها الأسماء التي تعلمها من الله ، فيعود علمه كما أراد الله له أن يكون ، فيحكم الأرض بالحكمة والموعظة الحسنة ، ويستحق حينها لقب خليفة الله في الأرض ، كما استحقه أسلافهم ، وهذا الأمر قادم لا محالة بإذن الله .

ويبقى العلم عند الله .

من كتاب (السر الأعظم أو سر الأسرار - دراسة في أسرار وخفايا سورة الرحمن)

تأليف محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)