حقيقة الطاقة

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
115
الإعجابات
112
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حقيقة الطاقة​

إنَّ مصطلح الطاقة مألوف لدى الجميع بسبب تعاملنا اليومي معهُ، وبما أننا هُنا في صدد البحث عن أصل الأشياء جميعاً وعن تفاسير لمعظم الأمور التي تحدث حولنا ومن ضمنها الطاقة نفسها، سوف نبحث في حقيقة الطاقة من جميع النواحي.

فعندما نرغب في إعطاء الطاقة تعريفها النهائي معتمدين على المنطق في فهمنا للأمور، نتوصل بذلك ألى الصيغة التالية:

الطاقة هي عبارة عن القدرة على إحداث تغيير ما في الفراغ.

وهذا التعريف يشمل جميع أنواع الطاقة المعروفة لدينا والغير معروفة وذلك حسب المعطيات التي بحوزتنا من خلال مراقبتنا للأمور التي تحدث من حولنا، فالطاقة تتمثل لنا بني البشر في عدة صور، وهذهِ الصور هي بالتأكيد ليست جميعها الموجودة في الأصل.

من هذهِ الصور تلك التي نجدها في كل من الطاقة الضوئية والحرارية والمغناطيسية كذلك الطاقة الصوتية والحركية والإشعاعية ...إلخ، وكلها تؤثر بنا عبر مقدرتها على إحداث تغيير مُحدد في الفراغ المحيط بالبشر.

من خلال التعريف السابق نُلاحظ إرتباط مُصطلح الطاقة بمفهوم القُدرة ومفهوم الفراغ، وكلها مفاهيم غير قابلة للتجزئة أو للتحليل.

فبعد أن نستبعد مفهوم الفراغ لكونهُ قد تمَّ تعريفهُ مُسبقاً في الكتاب، نحاول أن نتتبع مفهوم القُدرة، لعلنا بذلك نصل إلى نتيجة مرضية وشافية بالنسبة لنا فيما يخص الطاقة.

فمفهوم القُدرة يتوقف على مدى التغيير الذي يُمكن أن تُحدثهُ في الفراغ، وهذا التغيير إنما يكون نتيجة حدوث نوع من الرغبة الصادرة من جهة معينة في إستحداث وضع جديد في الفراغ، على أن يكون هذا الوضع لم يكن موجوداً من قبل وإلا لما كان مستحدثاً، وعليه فهذهِ الرغبة في التغيير لا يمكن أن تحدث أبداً من دون وجود المقدرة أو الإستطاعة على إيجاد هذا التغيير.

والذي يُريد أو يرغب في التغيير عليهِ أن يبذل جهداً أو طاقة معينة في إتجاه تحقيق هذا التغيير، وهذا بدورهِ لا بُدَّ أن يكون ناتجاً عن مقدرة كافية لإحداث ذلك النوع من التغيير.

فالمقدرة على إنجاز هذا الحدث تُعتبر الشرط الأساسي في حدوث ذلك التغيير، وبعدم وجود المقدرة لا يمكن أن يكون هُناك حدث أو تغيير، حتى وإن كانت هُناك الرغبة.

وبنفس الوقت، فعدم وجود الرغبة في إحداث تغيير مُعيين يؤدي إلى عدم حدوثهِ أصلاً، وهذا يكون بغض النظر عن وجود القدرة على التغيير أم لا.

في هذهِ الحالة تكون الرغبة في إيجاد حدث ما مطلوبة وضرورية، كذلك القدرة على تحقيق هذا الحدث مطلوبة أيضاً وضرورية، وكلاهما يجب أن يصدر من مصدر واحد فقط أو جهة واحدة، وهذا شرط أساسي حتى يكون الحدث مُتقناً ومُتكاملاً.

فبمجرد وجود أي نوع من عدم التكافؤ بين الرغبة في إستحداث تغيير معين وبين القدرة على ذلك يؤدي بطبيعة الحال إلى حدوث شرخ في أُسس وقواعد ذلك الحدث، مما يمنحهُ صِفة الضُعف ويسلب منهُ القدرة على الإستمرارية.

دليلنا على ذلك هو ما يحاول الإنسان المعاصر أن يستحدثهُ في محيطهِ والذي ما برح أن يتغيير أو يتبدل مع تقدم الزمان وإختلاف المكان، والسبب في ذلك هو وجود التفاوت الكبير بين الأشخاص الراغبين في التغيير وبين القادرين عليه.

فالمشكلة كانت وما زالت ليس في إستحداث الحدث بحد ذاتهِ أو عمل التغيير فحسب، إنما تقع المشكلة الحقيقية في إعطاء ذلك التغيير صفة الإستمرارية والديمومة ككل شيء طبيعي في مُحيطنا.

فالطبيعة بما تحتويه من كائنات حية ومن قوانين فطرية قد بُنيت وأستحدثت على أساس من التكافؤ الحقيقي، والذي بدورهِ قد أكسبها صِفة الديمومة والبقاء ضِمن إطار قوانين وأنظمة محددة، والمبنية بالتأكيد على أساس متكافيء من الرغبة في إستحداث ذلك التغيير ومن القدرة عليه، وهذا ما نلمسهُ ونراه في الإتقان الملموس لعملية الخلق والتكوين والتي نحن جزء منها.

ونتيجة لما سبق شرحهُ تتبين لنا أهمية وحتمية حصر الرغبة والقدرة في مصدر واحد محدد، أما هوية ذلك المصدر فنتبينها من خلال معرفتنا بالجهات التي تنسب لنفسها عادةً هذا التغيير العظيم والذي حدث في الفراغ المحيط بنا والتي ما برحت تتساقط الواحدة تلو الأخرى نتيجة لزيفها وفشلها في محافظتها على المصداقية التي تمنحها إياها تلك الشعوب التي خُدعت بها.

مثالنا على ذلك الفراعنة في العهود القديمة والبوذيون والشيوعيون في وقتنا الحالي، فكل هؤلاء حاولوا نسب خلق الكون وما فيه لأنفسهِم ولفلسفتهِم والتي ما فتئت أن تساقطت شيئاً فشيئاً لتبقى الديانات السماوية بما فيها من كُتب وأنبياء ورُسل وحيدة وفريدة في التواصل والعطاء والتي بدورها قد أعطت لنفسها الحق والشرعية المطلقة ولمفردها في إحداث ذلك التغيير العظيم الملحوظ لهذا الكون، والتي أثبتت وعلى الدوام جدارتها واستحقاقها في تحديها لباقي المصادر الزائفة المتواجدة حولها وعلى مر الأزمان.

هذا المصدر هو الله الواحد القهَّار، القادر على كل شيء سًبحانهُ، والمُتفرد بحكم وإدارة كل شيء.

وإننا لنقرأ دلالة وحدانيتهُ عزَّ وجل ووجوب توحيد مصدر الخلق في سورة الأنبياء: لَوْ كَانَ فِيهِمَا آلِهَةٌ إِلَّا اللَّهُ لَفَسَدَتَا ۚ فَسُبْحَانَ اللَّهِ رَبِّ الْعَرْشِ عَمَّا يَصِفُونَ (22) .

نجد هُنا شرعية التفكير بهذا الإتجاه، فالله سُبحانهُ وتعالى قد ناقش المسألة في كتابهِ ولم يفرضها كأمر واقع على خلقهِ، فأتت هذهِ الآية الكريمة لتفترض وجود آلهة عِدَّة ومصادر للخلق مختلفة، وناقشت النتيجة المحتملة لهذا التصوُّر، لِتجد بعدها أنَّ الفساد سيعم في كل مكان، وخلُصت بكون الخالق العزيز القدير هو المُتفرد بالخلق جميعاً.

إذاً فحقيقة الطاقة تكمن في معرفة مصدرها، وذلك المصدر كما تمَّ إثباتهُ سابقاً هو الله عزَّ وجل.

وعليهِ فكل أنواع الطاقة المعروفة لدينا والغير معروفة يكون مصدرها الخالق سُبحانهُ.

وهذا التفسير للطاقة إنما يفتح أمامنا آفاقاً واسعة، بمعنى أنَّ كل شيء مصدرهُ من الخالق فهو طاقة وذلك لسبب بسيط ألا وهو أنَّ الخالق سُبحانهُ ما كان ليتدخل في شؤون خلقهِ إلا لإحداث تغيير فيهِم، فهو جلَّت قدرتهُ وتعالت صفاتهُ الوحيد القادر على إحداث تغيير فيما يخص الأرض والسماء، ولا يوجد هُناك غيرهُ سُبحانهُ ولا يجوز أن يكون هُناك من يستطيع أن يتحدى إرادة الخالق في تسيير شؤون خلقهِ، وعليه فكل ما يمتلكهُ الإنسان عن طريق الروح فهو طاقة.

فالمحبة طاقة، والقوة طاقة كذلك الكرم طاقة والعِزَّة طاقة.....وهكذا، لأنَّ الله هو المحبة، والله هو القوة وهو كذلك الكرم والعِزِّة والجبروت ..... إلخ.

سُبحانهُ لا إله إلا هو.

من كتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوي) صفحة 202-204.

تأليف محمد "محمد سلبم" الكاظمي (المقدسي)