الإنسان المعاصر بين الدين والعقل وأنماط التوحش

Ruslan Amer

عضو جديد
إنضم
13 مايو 2017
المشاركات
7
الإعجابات
6
الجنس
ذكر
#1
الإنسان المعاصر بين الدين والعقل وأنماط التوحش
حكمة_عن_العقل.jpg
*
* لكي يعرف الشخص الإيمان الحقيقي، فهو يحتاج، في المقام الأول، و لفترة من الزمن إلى التخلي عن الإيمان الذي آمن به بشكل أعمى، والتحقق بالعقل من كل ما علموه إياه منذ الطفولة.
- ليف تولستوي
*




الدين ظاهرة واقعية من ظواهر التاريخ والاجتماع البشري، وهو بطبيعته ينتمي إلى المستوى اللاعقلاني في طبيعة الإنسان، فهو ظاهرة يجتمع فيها الإيمان والتسليم، والحنين إلى المقدس، وحلم اليوتوبيا البديلة اللاواعي، وقلق الوجود الناجم عن رهاب الموت، والباحث عن معنى ومغزى الحياة، وسواها، وهذه عوامل نفسية الطابع.


إضافة إلى عوامل الخيال المعرفي الساعي لفهم وتفسير ظواهر الوجود بعزوها إلى أرباب كونيين تعميما لعلاقة الصنعة والصانع، والبراغماتية العملية في مجالات الأخلاق والتشريع والحكم، الباحثة لها عن أرضية تأسيسيّة صلبة، تقيها عند ربطها بمرجعية من مستوى سماوي فوق بشري من أية منافسة بشرية أخرى. وهذه البراغماتية النفعية والخيال المعرفي بدورهما يرتبطان أيضاً بحالة تدني مستوى العقل في المجتمعات الدينية الأولية وما تلاها، ويرتبطان أيضاً مع العوامل النفسية الفاعلة في الحالة الدينية المذكورة قبلهما.

والدين كظاهرة عند مواجهته بكليته مع العقل العلمي لا يمكنه أن يخرج عن إطار بشريته تلك، ولا يمكن للعقل العلمي أن يقبله في أي إطار خارج إطاره البشري المحكوم دوماً بعوامله وظروفه الواقعية على مستوى كل من الفرد والمجتمع المرتبطين بدورهما جدلياً.

وفي ميزان العقل لا يمكن لأي دين على الإطلاق أن يقدم الدليل القاطع على سماويته ،وكماله وكونه دين الحق الأوحد، فكل دين يدعي مثل هذه الادعاءات .. يقتصر قبول ادعاءاته هذه على أتباعه فقط، الذين يؤمنون بها إيماناً تسليمياً محضاً، انتقل إليهم في جلّ الأحيان بالتلقين من قبل أسلافهم كحال غيرهم من أتباع الأديان الأخرى، بما فيها تلك المصنّفة باطلة أو ضالّة من قِبل أتباع هذا الدين، الذين لم تتكون قناعاتهم الدينية نتيجة تجربة فكرية خاصة مثلهم مثل سواهم من الأغيار المتدينين في ذلك.

وفي حضرة العقل سيصطدم الدين بالحقائق التالية:

1. فكرة الألوهة - وهي الأساس الذي تقوم عليه كل الأديان- هي نفسها موضع شك من قبل العقل، وإثباتها أو نفيها لا يمكن أن يقوم على أي أساس من أي دين، لأن أسس جميع الأديان عند هذه النقطة هي بحد ذاتها غير مؤسسة، وتحتاج بالتالي إلى تأسيس. تأسيسٍ يقوم على إثبات وجود الله، وهو تأسيس لا يقوم به إلا العقل، مما يعني أن الدين لا يستطيع القيام بدون تأسيس عقلي، وليس أمامه في مواجهة العقل إلا الحصول على اعتراف العقل بأساسه الإلهي، أو السقوط برفض العقل لهذا الأساس. وهذا يعطي المجال للجزم بأن العقل في كلتا الحالتين لا يحتاج إلى الدين كضرورة معرفية أو روحية، ففي حال نفي العقل للوجود الإلهي يصبح الدين ككل باطلاً لا خير فيه، وفي حال أثبت العقل وجود الله، فبمقدوره عندها أن يقول للدين أنا لا أحتاجك، وقد حللت بنفسي المسألة الإلهية، وهي أكبر ما لديك من مسائل، وبمقدوري أن أتابع وحدي في كل المسائل التي تدعي أن لديك حلها.

2. فكرة النبوة نفسها بحاجة أيضاً إلى موافقة ومصادقة العقل، وإن كان مبررها أن العقل لا يستطيع الوصول إلى الحقائق الميتافيزيقية، أو أن العقل الذي من طبيعته الصواب والخطأ والاختلاف، لا يستطيع الوصول إلى الحقائق المطلقة، وفي قمتها الحقيقة الإلهية، مما يقتضي تنزيل هذه الحقيقة من قبل الإله نفسه بواسطة رسل مختارين! لكن هذه الفكرة يمكن للعقل أن يرفضها بناءً على أن الحقيقة الإلهية المزعومة هي نفسها من حيث المبدأ ليست مسلّمة، وهي نفسها بحاجة لمصادقة العقل عليها كما سلف الكلام، أما على أرض الواقع فنجد أن التنزيل أو الإرسال السماوي المزعوم لم يجعل هذه الحقيقة جلية واضحة، ولم يقد الناس إلى الوحدة عليها، فتعدد الأديان ومذاهبها زاد الناس اختلافاً، وخلافاً، بل وعداءً وصراعاً في كثير من الأحيان، ولم يوحّدهم ويوفّق بينهم، بقدر ما فرّقهم وخاصمهم.

3. الاختلافات والخلافات الجمة والضخمة بين الأديان الغفيرة في تعدادها، هي الأخرى، لا يمكن الفصل والحكم فيها إلا من قبل العقل، والعقل وحده، وأي دين يدعي أنه الدين الحق الوحيد من بين جميع الأديان، دعواه تبقى باطلة ما لم يوافقه عليها العقل بعد نظره فيها وفي بقية الأديان، وهذه كرة ثالثة يحتاج فيها الدين إلى اعتراف وتصديق العقل به وعليه.

4. علمياً، كل الأديان قامت في مراحل تاريخية وبيئات اجتماعية كان الإيمان فيها بوجود الآلهة قائماً بشكل مسلم به، وهذا الإيمان لم يصنعه العقل، وإن كان في لحظة ما قد ساهم في تكوينه البدئي، لكن العقل تاريخياً شذّبه وقاده من التعدد إلى التوحيد، ثم جاء الإلحاد خطوة أخرى في استمرارية مسيرة العقل، وجدليته مع الإيمان، فبعد أن كان العقل البدائي يحتاج إلى عدد غفير من الآلهة لتفسير ظواهر بيئته، وللإشراف على ميادين حياته، راح العقل في تطوره يقلص هذا العدد الغفير شيئاً فشيئاً بتوحيد الآلهة المشرفة على ظواهر وميادين متشابهة، ثم نصب كبيراً على هذه الآلهة ليحكمها ويحكم بينها، وفي مرحلة أعلى من التطور العقلي، وجد العقل أنه بحاجة إلى إله واحد فقط ليقوم بكل ما تقدم، ثم تطور لاحقاً إلى درجة أنه لم يعد بحاجة إلى فرضية الله لتفسير العالم، وإدارة حياة الإنسان.

5. حتى اليوم ما يزال الدين يمر من بوابة اللاعقل، وما يزال ظاهرة لاعقلانية تقوم على الإيمان والتسليم، وتنتقل بالتلقين من جيل إلى جيل، وفي هذا يتساوى جميع المتدينين من جميع الأديان رغم ما بينها من خلاف وتناقض وتنافي.

ما تقدم يعني أن الدين والعقل على طرفي نقيض من حيث المبدأ، فالدين في مزاعم سماوية لا يستطيع عقلياً أن يتجاوز العقل، وهو بحاجة، وعلى مستويات مختلفة لقرار العقل واعترافه ومصادقته، وهذه الحقيقة تعري عدم قدرة الدين على أن يقدم للعقل أي شيء لا يمكن للعقل أن يحققه بنفسه، وهذا يتناقض مع مبرر ضرورة الدين القائم على عدم كفاية العقل، وبالتالي ليس أمام الدين إلا أن يغيّب العقل على مستوى المبادئ الدينية، التي يقيمها الدين على أسس الغيب، والإيمان، والتسليم، المعلاة قسراً فوق مستوى العقل، الذي يصبح دوره هنا ثانوياً، وبذلك يغيب العقل عن مسيرة الفعل الحقيقي، ليمضي الدين في طريقه غير العقلاني المحفوف بالمخاطر على الإنسان فرداً ومجتمعاً، والذي كثيراً ما يجعله في الظروف المحيطة المواتية حصناً حامياً للتخلف، ومنبتاً خصباً للتطرف، والعنصرية، والعنف التكفيري.

هنا لا مفر من تفعيل وتنمية دور العقل، للحد من غلواء الإيمانية الغيبية، وما يمكن أن تسببه من ترسيخ للتخلف والانحطاط، وعرقلة أو إقصاء للعلم والمعرفة، أو توليد أو تنمية للتعصب، والعنصرية، المؤديين بدورهما إلى التناحر والصراع.

فهل من الممكن تحقيق درجة كافية من التوازن والتوافق بين الدين والعقل؟، وكيف يمكن الجمع بين ما هو عقلاني، وما هو غير عقلاني وهما نقيضان؟!

حقيقةً إن الطبيعة اللاعقلانية للدين بحد ذاته، بقدر ما هي عامل مناقض للعقل، إلا أنها تجعل الدين دوماً قابلاً لقراءات مختلفة، ومن هنا يمكن للعقل أن يعبر إلى ساحة الدين، لكن هذا العبور غالباً ما يأتي من الخارج، أي من البيئة الاجتماعية التي يتواجد فيها دين ما، ولكي يتمكن العقل من إنجاز هذه المهمة، يجب أن ترتقي سوية حضور العقل في هذه البيئة، وهذا الحضور الارتقائي لكي يتم يحتاج إلى عملية تطوير شاملة، يتكامل فيها العمل التطويري على صعد الاجتماع، والسياسة، والاقتصاد، والثقافة، والتربية، والتعليم، وغيرها من الصعد.

ومع كل خطوة في مسار التطوير، سيصبح العقل أكثر حضوراً في المجتمع، وسيفرض على الدين تحديات لا يمكنه تجاهلها أو قمعها، فلا يكون أمامه إلا الاستجابة لها ومجاراتها.

فهنا ستجد القوى الدينية نفسها مضطرة لتطوير خطابها الديني، وجعله أقرب ما يمكن إلى العقل والعلم، لأن أية قوة دينية لا تفعل ذلك، وتستمر في خطابها الموغل في اللاعقلانية، سيقل عدد أتباعها بالتدريج نتيجة منافسة القوى العقلانية اللادينية، أو القوى الدينية الأخرى التي تستجيب لتحديات العقل والعلم! ولن يبقى لدى هذه القوة المحافظة في المحصلة إلا العنصر الأميّ معرفياً، والمستلب وعيوياً، والذي ستتناقص كميته أيضاً مع استمرار عملية التطور.

وعندما تقوم القوى الدينية نفسها بتطوير خطابها، حتى ولو كان ذلك فعلاً اضطرارياً، فهي بذلك تقدم خطاباً أفضل لكل من يتبعها سواء كان شخصاً يغلب عليه الاستلاب، أو تغلب عليه الفاعلية، وهذا التطوير في الخطاب، سيصبح واجباً مستمراً، فتوقـّفه عند مرحلة ما سيجعله متخارجاً مع الواقع الاجتماعي الديناميكي المتطور معرفياً الذي سيتجاوزه، مما سيجعل أتباع أية قوة محافظة يضمحلون تدريجياً، فيما لو استمر جمودها العقائدي.

بهذا الشكل، يمكن تحقيق توازن مقبول بين الدين والعقل، ولكنه يبقى توازناً قلقاً ما لم يترسخ التطور الاجتماعي، فالأزمات الاجتماعية – مهما اختلفت أسبابها- تدفع الناس عادة إلى الخلف والأسفل، فبقدر ما تكون الأزمات حادّة، تضعف المناعة العقلانية والنفسية للناس، وتتولّد أو تتفعّل لديهم المحركات النكوصية، التي تعيدهم إلى حظائر اللاعقلانية، والعصبيات العمياء، التي تصبح بدورها عاملاً مفاقما للأزمة، لتحل في المحصلة غريزة القطيع محل الوعي العقلاني، والانتماء الإنساني.

لكن التوازن بين العقل والدين، لا ينعكس إيجابياً على الدين وحده، فمع تقدم وترسخ حضور العقل، وازدياد قوته وفاعليته كما في المجتمعات المتقدمة، يمكن للدين من حيث المبدأ أن يلعب دوره الإيجابي كعامل وقائي يقي العقل من التحول إلى مجرد عقل وظيفي فاقد للضوابط الإنسانية، ومهيمناً عليه من قبل النزعات الاستهلاكية المتضخمة على مستوى الفرد والمجتمع، ومن قبل القوى الساعية إلى الثروة والسيطرة على مستوى المجتمع والدولة، مما يغرق المجتمع في هاوية الثقافة الاستهلاكية، والدولة في أتون السياسة العدوانية، ويفقد المجتمع والفرد بالتالي إنسانيتهما واجتماعيتهما، ويحولهما إلى كتلة بشرية فاقدة للرابطة الإنسانية من الأفراد المنفردين المستلبين في هذه الغابة البشرية، التي دفع المجتمع إليها انفلاتُ القوى الطامعة المتعطشة للمال والسلطة، وما يرتبط به جوهرياً من تزايد للشهوات المتنامية الباحثة عن المتع الحسية كهدف أساسي للحياة، وإضافة إلى هذا وذاك، وبينهما تضخم الأنا الفردية كضرورة، ونتيجة لكليهما.

وعند هذه النقطة يلعب الدين دوره البنّاء كعامل ثقافي وروحي معاً، ويساعد الفرد على حفظ إنسانيته، والمجتمع على الحفاظ على ثقافته واجتماعيته، وبالتضافر مع قوى إنسانية متنوعة أخرى يتمكّن المجتمع من التصدي لقوى السيطرة والاستهلاك، ولهجوم السوق ورأس المال، والانتهازيات بكافة أشكالها، ولاسيما السياسية منها، ويساهم في تعزيز الرابطة بين العقل والأخلاق الإنسانية، مما يحافظ على إنسانية العقل.

وهذا الدور يلعبه الدين اليوم في الغرب الرأسمالي بشكل فعلي، لكنه دور محدود الفاعلية، ولا يكفي قطعاً لتغيير طبيعة الرأسمالية، المتناقضة مع كل من الثقافة والروح الإنسانيتين.

بالطبع يمكن للإنسان المعاصر مع ما بلغه من عقل وعلم في المجتمعات المتقدمة أن يستغني عن الدين كدين بشكل كامل، ولكن هنا يُطرح السؤال عن المسار الذي سيمضي فيه إنسان العقل والعلم المتخلي عن الدين؟. فإن كان الدين بطبيعته اللاعقلانية متناقضاً مع العقل، ومصدراً كبيراً من مصادر الشر عند تغييبه للعقل، وهذا ما نرى الأمثلة الجلية عليه في الإرهاب التكفيري، والصراعات الطائفية في بلدان شرقنا المتدين اللاعقلاني. فالعقل بدوره لا يكفي، والتجربة في البلدان الغربية المتطورة أثبتت أن خيار العقل وحده لا يحمي، ولا ينمّي إنسانية الإنسان، فتلك البلدان هي الأخرى راحت تتخبط في دوامات الاستهلاكية، وتمعن في سياساتها العدوانية، والعقل الغربي لم يمنع الغربيين من خوض الكثير من الصراعات الدامية في ما بينهم، وفي ذورتها حربين عالميتين كارثيتين، ولم يمنعهم من العدوانات الاستعمارية الفاحشة العنف المختلفة الأشكال، التي كثيراً ما وصلت إلى حد الإبادة الجمعية، والتي ما تزال مستمرة حتى اليوم. والعقل الغربي لم يساعد الغربيين على تحقيق العدل الاجتماعي، والرفاه المعيشي العام في مجتمعاتهم، فالتمايز الطبقي ما زال يتفاقم، لتستأثر قلة بالثروة والسلطة، بينما يعاني الملايين من البطالة أو يعيشون تحت خط الفقر، فيما يعاني أكثرهم غياب الأمان الاقتصادي الحقيقي، فالرأسمالية المأزومة بطبيعتها يمكنها دوماً أن تتسبب بكوارث تلقي بالملايين من العمال على قارعة الطريق عاطلين عن العمل.

فأين العقل الغربي من كل هذا، وهو العقل الأكثر تطوراً عالمياً؟


حقيقةً لقد فصل ذلك العقل نفسه عن الإنسانية، وتحول إلى خادم لأرباب السلطة والمال، ليخدمهم في كل سياساتهم، ويوفر لهم كل ما يحتاجونه من خطط وأدوات، حتى ولو كانت أسلحة دمار شامل.

في مجتمعاتنا العربية العقل مشلول، والدين يلعب دوره في ذلك إلى جانب الديكتاتورية السياسية، والأعراف الاجتماعية المتخلفة، والفساد والطفيلية الاقتصاديين، وفي المحصلة ينتج واقع مأزوم على كافة الصعد، وهذا التأزم المترافق جدلياً مع غياب العقل يعود فينتج ذلك الشكل المأزوم من الدين، الذي كثيراً ما يصل إلى أقصى درجات التوحش.


ما يحتاجه شرقنا العربي هو عملية عقلنة متكاملة مع عملية تطوير شاملة تضعه على المسار الإنساني الصحيح.


وفي المقابل، يحتاج الغرب إلى "عودة الروح" إلى مجتمعاته، بعد أن أقصتها الرأسمالية، وهيمنت على العقل، لتجعله خادماً لتوحشها.


وقد أثبت الواقع العملي من خلال التجربة السوفييتية أن الحل الاقتصادي الاشتراكي، لم يكن وحده بالبديل الإنساني الكافي للرأسمالية الغربية المتوحشة، فقد بقيت الروح الإنسانية غائبة عن الواقع السوفييتي بدرجة لا تقل عن غيابها عن الواقع الرأسمالي، وبقيت الاستهلاكية والاستلاب هما المهيمنان عليه، لاسيما تحت وطأة الديكتاتورية السياسية! وهذا الغياب للروح الإنسانية كان أحد الأسباب الأساسية لانهيار هذه التجربة الاشتراكية وعودة الرأسمالية، لأن البيئة الثقافية والنفسية المتدنية إنسانياً كانت مناسبة لها!

الإنسان يحتاج دوماً إلى روحانيته، إلى روحه الإنسانية، التي من دونها لن يحقق إنسانيته، ولن يجد أي معنى حقيقي لوجوده وحياته الإنسانيين، مهما أعطي من حقوق، وإمكانيات اجتماعية واقتصادية، وحريات مدنية وسياسية، وحيث يغيب العقل لا يمكن للدين أن يلعب أي دور روحي أو إنساني، لكن إقصاء الدين بدوره، وعدم توفير البديل الروحي، لا يجعل العقل وحده قطعاً سبيلاً لتحقيق إنسانية الإنسان، فلكي تتحقق هذه الإنسانية تحتاج إلى ميدان روحي، وفي مجتمع معقلن بما يكفي يمكن للدين أن يلعب مثل هذا الدور، لكن هذا لا يعني قطعاً أنه اللاعب الكافي أو الممكن الوحيد، وربما تكون فلسفة روحية عصرية منتظرة هي الأنسب مبدئياً لإنسان العقل العلمي العصري.

وما نوجزه كخلاصة في خاتمة هذا المقال، هو أن الإنسان الحقيقي لا يحقق إنسانيته إلا بتكامل عقلانيته وروحيته، والدين يمكنه أن يكون لاعباً روحياً بإشراف العقل، لكن ديناً بلا عقل لا يقود إلا إلى حالة من التوحش، وعقلاً بلا دين وبلا أي بديل روحي آخر هو الآخر لن يكون إلا خادماً للتوحش. وهذا ما نجد نماذجه في شكلي التوحش الشرقي والغربي، حيث نجد في الشرق شبه المتمدن توحش غياب العقل الإنساني، وفي الغرب المتمدن رأسمالياً توحش غياب الروح الإنسانية، وللخروج من لجج التوحش هذه إلى شطآن الأمان الإنساني الحقيقي، لا بد للإنسان المعاصر من مكاملة وتنمية ما لديه من قوى العقل والروح، والسير على طريق العقلانية الإنسانية، التي لا ينفصل فيها العقل عن روحية الإنسان، فيبقى عقلاً إنسانياً.


*إن أول جرعة من كأس العلوم الطبيعية سوف تحوّلك إلى ملحد، ولكن فى قاع الكأس، ستجد الله فى إنتظارك!
- فيرنر هايزنبرغ
*


*
المقال منشور أيضا على مجلة "
صور"
 

حظيظ

عضو جديد
إنضم
25 يناير 2019
المشاركات
6
الإعجابات
2
الجنس
ذكر
#2

وما نوجزه كخلاصة في خاتمة هذا المقال، هو أن الإنسان الحقيقي لا يحقق إنسانيته إلا بتكامل عقلانيته وروحيته، والدين يمكنه أن يكون لاعباً روحياً بإشراف العقل، لكن ديناً بلا عقل لا يقود إلا إلى حالة من التوحش، وعقلاً بلا دين وبلا أي بديل روحي آخر هو الآخر لن يكون إلا خادماً للتوحش. وهذا ما نجد نماذجه في شكلي التوحش الشرقي والغربي، حيث نجد في الشرق شبه المتمدن توحش غياب العقل الإنساني، وفي الغرب المتمدن رأسمالياً توحش غياب الروح الإنسانية، وللخروج من لجج التوحش هذه إلى شطآن الأمان الإنساني الحقيقي، لا بد للإنسان المعاصر من مكاملة وتنمية ما لديه من قوى العقل والروح، والسير على طريق العقلانية الإنسانية، التي لا ينفصل فيها العقل عن روحية الإنسان، فيبقى عقلاً إنسانياً.


*إن أول جرعة من كأس العلوم الطبيعية سوف تحوّلك إلى ملحد، ولكن فى قاع الكأس، ستجد الله فى إنتظارك!
- فيرنر هايزنبرغ
*


*
المقال منشور أيضا على مجلة "
صور"
التكامل والتوازن . العقل يبدو كمن يبحث عن نصفه الآخر الذي لايمكن ان يهتدي الى الطريق بدونه .
 
إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
104
الإعجابات
110
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#3
الدليل المادي على وجود خالق للكون

كلنا يعيش في مجتمعات بشرية أهم ما تحرص عليهِ هو وجود أنظمة وقوانين تُنظم أمور حياتها وتُسيير شؤونها من جميع الجوانب سواء كانت نفسية أم حسية ، إذاً وجود قوانين وأنظمة تُسيير البشر ومن بعدهم المخلوقات الأرضية ومن بعدهم الكون كلهُ لهُ أمر بديهي، وكلنا يعلم جيداً بأن إستمرار الأنظمة والقوانين في الوجود إنما هو منوط بالمشرف والمُنظم لهذهِ الأنظمة، فما معنى وجود إشارات المرور إذا لم يكن هُناك شرطي المرور يحرص على إلتزام الجميع بقوانين السير، فمن دون وجود شرطي المرور لا قيمة لإشارات المرور التي تُنظم سير المركبات وتمنعها من التخبط والتصادم فيما بينها.

إذا وجود مُنظم يحرص على تطبيق النظام ووجود مُشرع للقوانين يحرص على ديمومة فاعليتها لهو شيء بديهي لا يمكن تصور الأنظمة والقوانين من دونه.

وهذا المُشرع والمنظم للقوانين لابُدَّ أن يكون عاقل وذكي وعظيم كي يستطيع الحفاظ على النظام الكوني وعلى القوانين التي تُسيره، ولا شيء غير الله سُبحانه لا إله إلا هو خالق الخلق سُبحانهُ وهوعلى كل شيء قدير.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.

محمد "محمد سليم" الكاظمي
 
إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
104
الإعجابات
110
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#4
حقيقة دين ألإسلام والديانات الأخرى في القرآن

إن حقيقة أي دين تُستشف من ممارسات أتباعهُ الإجتماعية ومن الأهداف والشعارات التي يرفعونها والتي يسعون دائماً إلى تحقيقها والإلتزام بها .
ما يخص الدين الإسلامي فالمسلمين والمؤمنين بالله واليوم الآخر على سبيل المثال يتخذون القرآن منهاجاً ، وشريعته طريقاً ، وأحكامه ملاذاً في الشدائد ،لقولهِ تعالى في سورة الزُمر : وَلَقَدْ ضَرَبْنَا لِلنَّاسِ فِي هَذَا الْقُرْآَنِ مِنْ كُلِّ مَثَلٍ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ (27))، لذلك فهم مطالبون كهدف سامي بأن يمارسوا الدعوة إلى الله وإلى الإسلام رافعين شعار الحكمة والموعظة الحسنة وبأن يجادلوا الناس بالتي هي أحسن ، لقولهِ تعالى في سورة النحل : ادْعُ إِلَى سَبِيلِ رَبِّكَ بِالْحِكْمَةِ وَالْمَوْعِظَةِ الْحَسَنَةِ وَجَادِلْهُمْ بِالَّتِي هِيَ أَحْسَنُ إِنَّ رَبَّكَ هُوَ أَعْلَمُ بِمَنْ ضَلَّ عَنْ سَبِيلِهِ وَهُوَ أَعْلَمُ بِالْمُهْتَدِينَ (125)) إذاً هذا ما يخص الممارسة الإجتماعية ، أما الهدف فهو نشر الإسلام في جميع بقاع الأرض دون إستثناء ليتحقق وعد الله للمسلمين ، لقولهِ تعالى في سورة النور : وَعَدَ اللَّهُ الَّذِينَ آَمَنُوا مِنْكُمْ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ لَيَسْتَخْلِفَنَّهُمْ فِي الْأَرْضِ كَمَا اسْتَخْلَفَ الَّذِينَ مِنْ قَبْلِهِمْ وَلَيُمَكِّنَنَّ لَهُمْ دِينَهُمُ الَّذِي ارْتَضَى لَهُمْ وَلَيُبَدِّلَنَّهُمْ مِنْ بَعْدِ خَوْفِهِمْ أَمْنًا يَعْبُدُونَنِي لَا يُشْرِكُونَ بِي شَيْئًا وَمَنْ كَفَرَ بَعْدَ ذَلِكَ فَأُولَئِكَ هُمُ الْفَاسِقُونَ (55)) ، وبخصوص شعار المسلمين فهو لا إله إلا الله محمد رسول الله.
وعند بحثنا عن حقيقة وأصل الديانات الأخرى يكون لزاماً علينا أن نتخذ مقياس حقيقي ومرجع واقعي لنقيس من خلاله الأمور ونحكم عليها بمنظور واقعي وحقيقي ، ولكوننا مسلمين ومؤمنين بالله واليوم الآخر فمن البديهي أن نتخذ ما نؤمن به ونصدقه ونعرفهُ جيداً ألا وهو دين الإسلام ليكون مقياس ومرجع لنقيس بهِ حدود المصداقية والصلاح التي يتمتع بها كل دين آخر وذلك من خلال مقارنة ممارسة المسلمين الإجتماعية مع ممارسة من سواهم من الأديان الأخرى وهذا ينطبق كذلك على الأهداف والشعارات الخاصة بالأديان الأخرى الغير إسلامية .
فدين الإسلام عند المسلمين هو دين الله الوحيد الذي إرتضاه للناس لهدايتهم إلى طريق العودة إلى جنَّات الخلد التي خسرها الإنسان عندما خلقهُ الله أول مرَّة ، وذلك بسبب غروره وكفره بأنعم الله ، ودليلنا العملي والحيادي هُنا بأن دين الإسلام هو الدين الوحيد الذي إرتضاه الله لخلقهِ نجده في التسمية ، فكلمة الإسلام هي كلمة فريدة من نوعها في الديانات الأخرى ، فجميع الديانات الأخرى دون إستثناء إنما جاءت أسمائها لتدل على أشخاص أو أماكن موجودة على الأرض وليست سماوية ، مما يؤكد بأنها مستحدثة من قبل البشر المعروف من طبعهِ أن ينسب إكتشافاته وأفكاره وبالتالي فلسفاته إلى شخصه أو إلى شيء محبب لقلبه فمثلاً المسيحية واليهودية والبوذية منسوبة لأسماء بشر ، والهندوسية والنصرانية منسوبة لأماكن ....وهكذا ، أما الإسلام فهو مسمى خالص للدين ، ليدل بالتالي على عِزة الخالق سُبحانهُ وتعالى في إيجاد دين خالص له ، شأنهُ في خلقهِ ، فكل المخلوقات لديهِ تتميز بمسميات فريدة خاصة بها وهذا من خصوصيات الخالق وليس البشر ، حيث جاء في قولهِ تعالى من سورة آل عمران : إِنَّ الدِّينَ عِنْدَ اللَّهِ الْإِسْلَامُ وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ وَمَنْ يَكْفُرْ بِآَيَاتِ اللَّهِ فَإِنَّ اللَّهَ سَرِيعُ الْحِسَابِ (19) ، في هذهِ الآية الكريمة نجد أنَّ دين الإسلام هو المسمى الوحيد للدين الذي إرتضاه الله للبشر عندما أنزلهم من الجنَّة إلى الأرض واعداً إياهم بالرحمة والغفران إذا إتبعوا هُدا الله والمتمثل بدين الله لقولهِ تعالى في سورة البقرة : قُلْنَا اهْبِطُوا مِنْهَا جَمِيعًا فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنْ تَبِعَ هُدَايَ فَلَا خَوْفٌ عَلَيْهِمْ وَلَا هُمْ يَحْزَنُونَ (38) ، وبما أنَّ الله واحد أحد ، فطريقة هدايتهِ للبشر تبقى واحدة وإن إختلفت الأساليب ، إذا فهداية البشر جميعاً دون إستثناء إنما تأتي عن طريق دين الإسلام ، أما إسلوب عرض هذا الدين قد تختلف من منطقة إلى أخرى ومن شعب إلى آخر دون أن تتيغير أهداف وشعارات الدين أو إسمهُ ، إذا وبناءاً عليهِ يكون البشر جميعاً دون إستثناء مسلمون بالفطرة ، كما قال رسول الله محمد عليهِ الصلاة والسلام : كل مولود يولد على الفطرة ، فأبواه يهودانه أو ينصرانه أو يمجسانه ) متفق عليهِ من حديث أبي هريرة رضي الله عنهُ ، ولقولهِ تعالى في الآية السابقه (وَمَا اخْتَلَفَ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ إِلَّا مِنْ بَعْدِ مَا جَاءَهُمُ الْعِلْمُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ ) ، حيث نفهم هُنا بأن الإختلاف بالدين عند البشر من الفطرة التي ولد عليها إلى غير ذلك إنما حدث بعد أن جائهم العلم من رُسل الله وأنبيائه ، ولكي يبغى الكافرون بين بعظهم البعض قاموا بالتلاعب بإسم الدين ، وهذا إسلوب البغاة من الناس ، فمصطلح البغي إنما يأتي هُنا بمعنى الكذب والفجور والغش والخداع ، ولكي يبغي أهل الديانات الأخرى ممن حرصوا على تعلم دين الرسل والأنبياء وهو الإسلام بهدف البغي والعدوان على بعضهم البعض قاموا بالعمل على تغيير إسم الدين أولاً ، ولكي ينجحوا في بغيهم نسبوا إسم دين الإسلام وهو المُسمى الوحيد من الخالق العزيز القدير سبحانهُ وتعالى إلى أسماء تخصهُم وحدهُم كأنبيائهم مثل المسيحيون نسبة إلى إسم المسيح إبن مريم واليهود نسبة إلى يهودا ( أحد أبناء يعقوب ) أو الذردشية نسبة إلى ذردش ، أو أسماء مناطقهم مثل الهندوسية نسبة إلى الهند ، أو النصارى نسبة إلى مدينة الناصرة وهكذا .
مما سبق يتضح لنا بعد مقارنة دين الإسلام بالديانات الأخرى بأن ممارسة المسلمين تتمثل بالتمسك بدين الله السماوي الخالص والدعوة إليهِ ، أما الديانات الأخرى فهم يتمسكون بمسمياتهم الشخصية والأرضية الخاصة بهم داعين الناس إلى الإبتعاد عن دين الله السماوي .
وبخصوص الأهداف نجد بأن أهداف المسلمين هو نشر دين الله بما فيهِ خير وسلام ورحمة لجميع الناس دون إستثناء متبعين بذلك تعاليم دين الإسلام ليتوحدوا وليصبحوا أمَّة واحدة ، أما بخصوص الديانات الأخرى فإن هدفها المعلن هو التفرقة بين الناس تحت مسميات مستحدثة وشخصية غير حقيقية ، ولتتم التفرقة نشاة الحروب والخلافات والنزاعات بينة الناس والتي أصلها إنما كان عندما فرقوا دين الله وأعطوه إسماً أرضياً غير إسمه السماوي الحقيقي ليضلوا الناس عن السبيل .
أما فيما يخص الشعارات ، فبالنسبة للمسلمين فشعارهم توحيد الإلوهية بالدعوة إلى الله الواحد القهَّار وعدم الإشراك بهِ ، وكذلك توحيد الدين بالدعوة إلى إتباع خاتم الرسل المصطفى الأمين ، أما الديانات الأخرى فشعارها الإشراك بالله ، والدعوة إلى الدين الخاص بكل منها والمسمى من قبلها لا إلى دين الله والمسمى من الله وهو الإسلام والعياذ به .
والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد إبن عبد الله وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين وعلى من إتبعه وإهتدى بهديه إلى يوم الدين .
والسلام عليكم ورحمة الله وبركاته .

أخوكم بالله : محمد محمد سليم الكاظمي ( المقدسي )
 
إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
104
الإعجابات
110
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#5
أهمية الدين في حياة الناس ودلالاتهُ بالقرآن

يتردد كثيراً بين الناس السؤال حول أهمية الدين في حياة الإنسان وهل من الضروري أن يكون للإنسان ديناً يتبعهُ ؟
وهل الدين إنما وجد ليكون لله أم للبشر ؟؟
في ردنا على مرجعية الدين فإننا نستشهد بالآية الكريمة من سورة النحل : وَلَهُ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ وَلَهُ الدِّينُ وَاصِبًا أَفَغَيْرَ اللَّهِ تَتَّقُونَ (52) .
أما بخصوص أهمية الدين في حياة الإنسان فلمعرفة هذا الأمر علينا أن نقارن بين الإنسان وبين المخلوقات المحيطة به ، ثم نُقارن بين الإنسان صاحب الدين وبين الإنسان البعيد عن الدين !!
في مقارنتنا الأولى دعونا ننظر من حولنا قليلاً ونراقب المخلوقات التي تحيط بنا ، ونسأل أنفسنا سؤالاً واحداً ، من أفضل حالاً ، الطير كمثال على المخلوقات الحية من حولنا أم نحن أي بني الإنسان ؟؟
فنحن كبشر نشترك مع المخلوقات جميعاً بكوننا عبارة عن أمم وجماعات وذلك تصديقاً لقول الله العزيز القدير في سورة هود : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ وَلَا طَائِرٍ يَطِيرُ بِجَنَاحَيْهِ إِلَّا أُمَمٌ أَمْثَالُكُمْ مَا فَرَّطْنَا فِي الْكِتَابِ مِنْ شَيْءٍ ثُمَّ إِلَى رَبِّهِمْ يُحْشَرُونَ (38) . والدليل العملي والعلمي على شراكتنا هذهِ نحصرهُ في ثلاث أهداف ، فكل المخلوقات الحية منذ الولادة حتى الممات لها أهداف رئيسية ثلاثة في الحياة وهما : المأكل والسكن والعائلة .
وسبحان الله فإننا نجد عند المقارنة بأنَّ كل المخلوقات الحية لا تجد أي صعوبة في الحصول على هذهِ الأهداف ما عدى الإنسان ، فالطير مثلاً عندما يكبر ، كل ما عليه فعلهُ هو أن يبحث عن طعامه وشرابه ، لقوله تعالى في سورة الملك : وَمَا مِنْ دَابَّةٍ فِي الْأَرْضِ إِلَّا عَلَى اللَّهِ رِزْقُهَا وَيَعْلَمُ مُسْتَقَرَّهَا وَمُسْتَوْدَعَهَا كُلٌّ فِي كِتَابٍ مُبِينٍ (6) ، أما الإنسان فعليه أن يعمل لدى الإنسان الآخر الذي لديه طعام ، حيث قال سُبحانه وتعالى في سورة النحل : وَاللَّهُ فَضَّلَ بَعْضَكُمْ عَلَى بَعْضٍ فِي الرِّزْقِ فَمَا الَّذِينَ فُضِّلُوا بِرَادِّي رِزْقِهِمْ عَلَى مَا مَلَكَتْ أَيْمَانُهُمْ فَهُمْ فِيهِ سَوَاءٌ أَفَبِنِعْمَةِ اللَّهِ يَجْحَدُونَ (71) .
الطير يبني عشه بكل مهارة وفن وإتقان دون مساعدة طير آخر وكل بيوت الطيور متشابه لا إختلاف بينها ، فليس هناك طائر غني يسكن القصور وطائر فقير يسكن المقابر ، عكس الإنسان تماماً .
الطير عندما يكبر يبحث عن أنثى وبمجرد الإلتقاء يتزاوجا وينجبا الذرية دون مشاكل أو مصاعب ، ولا وجود لطائر ذكر أعزب او طائر أنثى عانس ، أما الإنسان فحدث ولا حرج ، فهناك الموت وهناك الحروب وهناك الجرائم بسبب وجود أنثى الإنسان مع ذكر .
إذاً أين الفرق وأين التميز عند الإنسان ؟
نعود للدين وللقرآن تحديداً , فنجد آيات كريمات في سورة التين قد إختصرت هذا الموضوع كله بكلمات معدودات ، حيث جاء قولهُ تعالى : ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4) ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5) إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) فَمَا يُكَذِّبُكَ بَعْدُ بِالدِّينِ (7) أَلَيْسَ اللَّهُ بِأَحْكَمِ الْحَاكِمِينَ (8)).
إذاً فالإنسان عندما خلقهُ الله من طين الجنَّة الطاهر النقي , خلقهُ في أحسن صورة وأكمل خليقة وأفضل مكانة من بين الخلائق لقولهِ تعالى ( لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسَانَ فِي أَحْسَنِ تَقْوِيمٍ (4)) ، فبسبب مكانتهِ المرموقة والرفيعة عند رب العالمين أي في الجنَّة كان يأتيه الطعام الذي يشتهي دون تعب أو شقاء ، وكان يجد المسكن الذي يتمنى دون أن يبني أو يعمر ، وكان يتزاوج مع من يرغب ويشاء أويتمنى دون مشاكل أو حرج , وهو بذلك كان أحسن المخلوقات كما جاء في سورة طه : إِنَّ لَكَ أَلَّا تَجُوعَ فِيهَا وَلَا تَعْرَى (118)وَأَنَّكَ لَا تَظْمَأُ فِيهَا وَلَا تَضْحَى (119) .


ولكن وبعد خطيئته في عصيانهِ لأوامر الخالق سبحانه ، جعلهُ الله أسفل خلقهِ أي أقل حضارة ورفاهية من أسفل المخلوقات وأقلها قيمة وشأناً في الأرض ، حيث نقراء في قولهِ تعالى ( ثُمَّ رَدَدْنَاهُ أَسْفَلَ سَافِلِينَ (5)) حيث جاء وصف أسفل سافلين هنا إنما للدلالة على المميزات المعدومة لدى الإنسان بشكل عام وذلك في الحصول على الإهداف المشتركة الثلاث آنفة الذكر والخاصة بالغذاء والمسكن والتزاوج مقارنة مع باقي المخلوقات من حولهِ
نستدل هُنا ونؤكد تفسيرنا لمعنى ( أسفل سافلين ) بقولهِ تعالى في سورة طه : قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُمْ مِنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَى (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَنْ ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنْكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَى(124)) ، ودليلنا الملموس من حياتنا كبشر ، نجد أنَّ الإنسان عدو أخيهِ الإنسان (جَمِيعًا بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ) حيث لا بدَّ للإنسان ان يُذِل نفسه لأخيه الإنسان كي ينال حاجاته الأساسية ، وهو ما جاء وصفهُ كمعيشةٍ ضنكا ، وبالمقابل فإننا لا نجد تلك العداوة بين المخلوقات الأخرى ذات الجنس الواحد .

وتفسيرنا للضنك هُنا إنما نجدهُ في أن يكون الإنسان ذليلاً عندما يأكل ،وذليلاً عندما يسكن ، وذليلاً عندما يتزاوج .

فبخصوص الطعام فإننا نعلم بأنَّ طعام الإنسان لا بُدَّ أن يُجهَّز مُسبقاً وذلك سواءاً من قبلهِ أم من قبل أُناسٍ آخرين ، ولا ننكر هُنا التميُيز في طعام الإنسان وعدم صبره على طعام واحد كما جاء في قولهِ تعالى في سورة البقر من آية 61 : وَإِذْ قُلْتُمْ يَا مُوسَى لَنْ نَصْبِرَ عَلَى طَعَامٍ وَاحِدٍ فَادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُخْرِجْ لَنَا مِمَّا تُنْبِتُ الْأَرْضُ مِنْ بَقْلِهَا وَقِثَّائِهَا وَفُومِهَا وَعَدَسِهَا وَبَصَلِهَا )، ولكن هذا التمييُز في الطعام إنما جاء ليُحاكي ولو بنسبة ضئيلة ذلك الطعام الذي كان يحصل عليهِ في الجنَة ، وهو ما إعتاد عليهِ هُناك ومن هُنا تأتي معاناته في الأرض وذلك لمحاولته ألحصول على الطعام المُناسب ولعدم إكتفائهِ بطعام واحد ، أما باقي المخلوقات فطعامها التي إعتادت عليه تجدهُ جاهزاً أمامها على الدوام دون عناء يُذكر .

أما كون الإنسان ذليل عندما يسكن ، فذلك بسبب كون مسكنهُ الذي إعتاد عليهِ في الجنَّة لن يجدهُ أبداً على الأرض ، حيث جاء في سورة الفرقان وصف مسكن الإنسان في الجنَّة : تَبَارَكَ الَّذِي إِنْ شَاءَ جَعَلَ لَكَ خَيْرًا مِنْ ذَلِكَ جَنَّاتٍ تَجْرِي مِنْ تَحْتِهَا الْأَنْهَارُ وَيَجْعَلْ لَكَ قُصُورًا (10) ، ولكي يبني الإنسان مسكناً ولو قريباً في رفاهيتهِ من سُكنا الجنَّة ، فهو يحتاج إلى العديد من البشر كي يتم إنجاز هذا الشيء ، وحاجتهُ هذهِ إنما هي نوعٌ من الذل .

أما المخلوقات الأرضية الأخرى فهي تمتلك المهارة الذاتية لتبني البيت الذي يُناسبها تماماً ، أو لتجده دون عناء أو مشقة عند بحثها عنهُ .

والإنسان ذليل أيضاً عندما يطلب الزواج ، ففي الجنَّة لكل فرد لهُ زوجهُ الذي يُناسبهُ تماماً ، لقولهِ تعالى في سورة التكوير : وَإِذَا النُّفُوسُ زُوِّجَتْ (7) فالزوج عادةً وكما هو معروف إنما يكون هو النصف الآخر الذي إن إكتمل وجودهما معاً تكون سعادتهما ومعيشتهما كاملة لا يعتريها أي نقصان ، والإنسان على الأرض إنما يحن لزوجهِ الحقيقي ذاك الموجود قي الجنَّة ، فنجده باحثاً ومستقصياً وطالباً وأحياناً مستجدياً لكي يرتبط بزوجٍ ما على أمل أن يكون ذلك الزوج المناسب له دون غيره ، ولن يكون لهُ ذلك ، فشتان بين إختيار الخالق وبين إختيار المخلوق ، أما عند المخلوقات للأخرى فأغلبية الأزواج متشابهين في كل شيء ، فلا يوجد تمييُز بين زوج وآخر أو أفضلية ، فكلهم بالسعادة الزوجية سواسية .

إذاً مما سبق نستنتج بأنَّ كل الصفات التي يبحث عنها الإنسان موجودة عند الآخرين من بني جنسهُ والمتفضلين عليه برزق الله ، وعلى الإنسان الأقل رزقاً الحصول على أهدافهِ تلك بطريقة ما .

لتعود سورة التين وتقول لنا بأنَّهُ هُناك إستثناء بخصوص البشر المتفضلين ببعضهم عن بعض برزق الله ، حيث جاء فيها : إِلَّا الَّذِينَ آَمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ فَلَهُمْ أَجْرٌ غَيْرُ مَمْنُونٍ (6) ، وهذا الإستثناء نجدهُ عند الإنسان الذي يملك إيمان صادق ، والذي يعمل الصالحات من منطلق ديني إيماني وليس من منطلق إنساني أناني ، وهؤلاء يتميزون عن البشر الغير مؤمنين بكونهم مدركون لحقيقتهم كمخلوقات من خلق الله كسائر خلقه ، ومعترفون بذنبهم أمام الله ، لذلك فإننا نجدهُم يسعون دوماً من خلال دينهم الذي إرتضاه الله لهم ، أن يعودوا لملكهم الذي كانوا عليه في الجنَّة ، أي لكمال الخلق ورفاهية الخالق سبحانهُ .

إذاً التميُيز والتفرد بطلب الأهداف المشتركة الثلاث كالطعام والمسكن والزوج مقارنتاً بباقي المخلوقات إنما هو حقيقي وهو مزروع في كل إنسان على الأرض ، وهو أيضاً موجود في غريزتهِ وفي حُبهِ للبقاء كباقي المخلوقات من حولنا ، ولكنه لن يحصل عليه كما يتمنى أو كما تحصل عليهِ أقل المخلوقات شأنا ، أما المؤمنين بالله وباليوم الآخر والذين يرفقون ذلك الإيمان بعمل الصالحات لا يمكن أن يكونوا في أسفل السافلين إسوةً بالكافرين والمُنافقين من باقي البشر ، لقولهِ تعالى في سورة القلم : أَفَنَجْعَلُ الْمُسْلِمِينَ كَالْمُجْرِمِينَ (35) مَا لَكُمْ كَيْفَ تَحْكُمُونَ (36) .

إذاً المؤمنون بالله والذين يعملون الصالحات إنما هُم في وضع أفضل بلا شك وهم في مرحلة إنتقالية لا أكثر ولا أقل ، ونهايتهم من هذا العذاب سوف تكون مضمونة ، فلقد تعهد الله بتنجيتهم من العذاب وذلك تصديقاً لقولهِ تعالى في سورة مريم : ثُمَّ نُنَجِّي الَّذِينَ اتَّقَوْا وَنَذَرُ الظَّالِمِينَ فِيهَا جِثِيًّا (72) .

هذهِ هي حقيقة الإنسان وهذهِ هي علاقة الإنسان بدين الإسلام ، فالإنسان من غير دين الإسلام يكون أقل مكانة من أقل مخلوقات الله مكانة وشاناً ، ومع دين الإسلام فقط إنما يكون في أحسن تكوين وأعظم رفاهية وأجَّل سعادة لتستمر معه في الجنّة عند لقاء ربهِ سبحانهُ وتعالى .


والحمد لله رب العالمين ، والصلاة والسلام على سي المرسلين محمد إبن عبد الله وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين .

 
الإعجابات: Marom