[أناستازياAnastasia ][الفصل الأول: شجر الارز الرنان]

ShiMauRo

محرر <a href="/forums/22">مجلة ألفا</a>
إنضم
16 مارس 2012
المشاركات
556
الإعجابات
788
#1
في ربيع 1994، أبحرت بسفني إلى نهر أوب السيبيري [نهر يوجد في سيبريا] في بعثة تجارية لمدة أربعة أشهر، من مدينة نوفوسيبرسك إلى ساليغارد وهي قرية نائية بالمنطقة القطبية الشمالية. و كان الغرض من هذه البعثة هو تأسيس علاقات اقتصادية مع أقاليم الشمال النائي.

أطلق على هذه اسم "القافلة التجارية"، وتعتبر سفينتنا العريضة ثلاتية السطوح بمثابة مركز قيادة القافلة ومعرض لمنتوجات مقاولي سيبيريا وأيضا بمثابة مخزن. وكانت حجرتي على أحدث المواصفات في تلكم الأوقات. إذ جمعنا حجرتين من الدرجة الأولى وزودناهما بأحدث القطع و الأدوات حتى نترك انطباعا قويا ومتميزا عند كل عملية شراء أو تفاوض.

قطعت قافلتي 3500 كيلومتر نحو الشمال وتوقفت عند المستوطنات الكبيرة نسبيا - تومسك و نيزنفارتونسك و خانتي-مانسيسك و ساليغارد- بالإضافة إلى المستوطنات الصغيرة جدا و التي أمكن الوصول إليها بالشحنات خلال فترة الملاحة القصيرة.

في فصل الشتاء، يتحول نهر أوب إلى جليد فينقطع بذلك التواصل و الاتصال بين القرى و سكان المستوطنات السيبيرية. أرست سفينة القافلة عند إحدى المستوطنات. و أطلق ملاحو السفينة الصافرة التي دوى صوتها الصاخب عبر مكبرات الصوت القوية من فوق القمرة للفت انتباه ساكنة المستوطنة.

كنا نقايض، ونشتري السمك الثمين و خيرات غابة تايغا السيبيرية من السكان المحليين - العنبيات و الفطر الجاف و الفراء - وكنا نناقش تأسيس علاقات تجارية دائمة مع القناصين و صيادي السمك المحليين.

توجب على السفن أن تبحر بالليل كما هو مسطر. فإذا ما كان الطقس سيء و يمنعنا من متابعة الرحلة عبر النهر فإن السفينة القيادية سترسي عند أقرب مستوطنة وستقيم حفلة للشباب المحلي. إن أحداث مثل هذه هي من الندرة هناك، إن نوادي و ديار الثقافة قد صارت آيلة للسقوط جدا عبر السنوات الفارتة، و يكاد لا يقام أي حدث ثقافي هناك. ويمكنكم تخيل إستجابة الشباب للحفلة التي أقمناها. سكان هذه البلدة السيبيرية بعيدون عن الحضارة بآلاف الكيلومترات و هم يستمتعون بجمالية مشهد عبور سفينة بيضاء عبر النهر و استدارتها المفاجئة لترسي عند شاطئهم.

تملك السفينة مطعما، و حانة و مرقص بأعمدة. لم يكن الشباب وحدهم من يندفع للصعود على متن السفينة بل كان هناك البالغون أيضا، مستمتعين بجولة مدتها ثلاثة ساعات ثم بعدها مشاهدة الجميلة البيضاء وهي تغادر وتموج عبر الساحل. كلما ابتعدت القافلة من القرى الكبيرة كلما اقتربت من المنطقة القطبية الشمالية و اتسعت حدود نهر الأوب، وعبر المنظار يمكنكم مشاهدة الحيوانات البرية على ضفافه. في بعض الأحيان قد لا نقابل أي مستوطنة و لا ما هو أدنى منها خلال الأربع وعشرين ساعة من الملاحة. لا شيء سوى غابة التايغا على طول ضفاف نهر الأوب، والذي يعتبر شريان المواصلات الوحيد لعدة كيلومترات. آنذاك، لم أكن أعلم بعد بأنه عند إحدى هذه الكلومترات سأكون على موعد من لقاء سيغير حياتي بأكملها.

في احد الأيام خلال فترة عودتنا الى نوفوسيبيرسك، قررت أن ارسي السفينة القيادية عند بلدة صغيرة مكونة من بضعة ديار صغيرة، و تبعد بعشرات الكيلومترات عن أي مستوطنة كبيرة. قررنا أن نتوقف لمدة تلاث ساعات حتى تتاح الفرصة لملاحي السفينة الفرصة للمشي على اليابسة و للسكان المحليين لشراء مختلف الخيرات و الأطعمة و لنا لشراء نباتات و أسماك غابة التايغا برخاء. قررت أن أتمشى بدوري على اليابسة وبينما أنا أنزل من الممر الخشبي لم يسعني إلا أن ألاحظ شيخين يقفان بصمت بجانب زمرة من السكان المحليين الذين يستعدون لتسلق الممر الخشبي للصعود على متن السفينة.
 
التعديل الأخير:

ShiMauRo

محرر <a href="/forums/22">مجلة ألفا</a>
إنضم
16 مارس 2012
المشاركات
556
الإعجابات
788
#2
يملك الشيخ الأكبر سنا لحية رمادية و يرتدي كاب الكانفا [ الكاب رداء يطرح على الكتفين، ويكون من نوع الكانفا عندما يصنع من نسيج غليظ متباعد الخيوط ] طويل إلى أن يلمس كعبيه، كما يرتدي قلنسوة تغطي رأسه و تجعله يبدو غريبا على نحو استتنائي. و بينما أنا أتمشى حييت الشيخين. لم يرد علي الشيخ الأكبر سنا، و أحنى رأسه قليلا فحسب، بيد أن رفيقه رد علي التحية. قائلا:"مرحبا. فلتقضى و تلبى نواياك الصالحة. أرى أنك المسؤول هنا، صحيح؟ هل يمكن أن تعطي الأوامر؟" أجبته وكنت على وشك متابعة سيري :"نعم، إذا كانت ضرورية ومعقولة" لكن الشيخ تابع كلامه، وكان يحاول أن يقنعني بأن أعطيه خمسين رجلا أو أكثر (يبلغ ملاحو السفينة خمسة وستين نفسا في المجموع) لكي يأخذهم لغابة التايغا، لمسافة تبعد خمسة وعسرين كيلومترا عن المكان الذي رست فيه السفينة. ثم يأخذهم إلى أعماق الغابة ليقطعوا شجرة أرز رنان تبلغ من الإرتفاع أربعين مترا على حد زعمه.

و قد اقترح أن تقطع إلى قطع حتى يسهل حملها الى السفينة. وقد تكللت العملية بنجاح. و ينصح هذا الشيخ بقطع كل جزء إلى قطع أصغر ، وليأخذ كل واحد قطعة لنفسه أو عائلته أو أصحابه ولكل من يريد الحصول عليها كهدية. و قال بأن هذه الشجرة تعتبر شجرة مميزة. يجب أن توضع قطعة الخشب الأرز الرنان على الصدر و أكثر من ذلك يجب أن تضعها أثناء وقوفك حافي القدمين على الربيع وأن تضغط بيدك اليسرى على صدرك العاري. بعدها بدقيقة ستحس بدفء لطيف ينبعث من خشبة الأرز، ثم برجفة خفيفة تسري عبر جسدك. من آن لأخر ستحتاج لإستخدام عقلات أصابعك لتجلو وتصقل الجانب الذي لا يلمس جسدك من قطعة خشب الأرز، فتمسكها بإبهاميك من الجانب الآخر. و أكد الشيخ بكل ثقة بأنه في غضون تلاثة أشهر سيلحظ الشخص الذي يضع قطعة خشب الأرز الرنان تحسنا هاما في صحته و سيشفى من العديد من الأمراض.

سألته، بعد أن أخبرته بما قراته عن داء فقدان المناعة المكتسبة من الجرائد:"حتى الإيدز؟".

أجاب الشيخ بكل ثقة:" كل الأمراض".

ومع ذلك، من وجهة نظره، إن علاج الإيدز مهمة سهلة. و الشي الأهم هو أن الشخص الذي يحوز على هذه القطعة من الخشب ستتحسن حالته ويصير أفضل و أكثر حظا وبارعا في شؤونه.

إنني على علم بالخصائص الشفائية لنباتات غابة تايغا السيبيرية، لك بكونه يؤثر في مشاعرنا وقدرتنا...-في تلك الأوقات إعتبرت الأمر مبالغ فيه، و أن الشيخين يرغبان في تحصيل أموال من هذه الشجرة الإستنائية حسب زعمهما، أخبرت الشيخين انه في "العالم الخارجي" ومن أجل أن يكون المرء محبوبا فإن النساء ترتدين جواهر من ذهب و فضة، وأنهن لن يدفعن و لو فلسا واحدا على قطعة خشب، كما انني لن اقبلها مهما كان ثمنها. أجابني الشيخ:" إنهن يرتدين الجواهر دون علم، إن الذهب شيء تافه بالمقارنة بقطعة صغيرة من شجرة الأرز الرنان، لكننا لا نحتاج لأموال مقابلها، بل يمكننا ان نعطيك الفطار، الجافة منها أيضا، بيد أننا لا نحتاج لأي شيء مقابلها". قررت ألا أتجادل معهما إحتراما لسنهما الكبير، فقلت :"حسنا، ربما قد يرغب المرء في قطعة خشب من شجرة الارز هذه، إذا ما وضع نحات يده عليها و صنع منها شيء جميلا." رد الشيخ على كلامي قائلا:"تستطيع أن تنحتها، لكن من الأفضل أن تصقلها بل من الأفضل بكثير لو تفعل ذلك بنفسك، بأصابعك الخاصة، فحين ترغب روح المرء بذلك تصبح قطعة خشب الأرز جميلة من الخارج كذلك."

في هذه الأثناء فك الشيخ الأصغر سنا بينهما أزرار سترته القديمة بسرعة، ثم بعدها أزرار قميصه و أراني ما كان يضعه على صدره، ما رأيته كان عبارة عن قطعة خشب بيضاوية محدبة ألوانها تتدرج ما بين -بنسفجي و قرمزي و لون الصدا- و احتوت على رسومات غامضة، بينما بدت عروق قطعة الخشب كأنها جداول نهيرات.

أنا لا أعتبر نفسي خبيرا بأعمال الفن إلا انني زرت معارض فنية في بعض المناسبات. لم تكن التحف العالمية لتثير أو تستدعي بداخلي أية احاسيس أو مشاعر. لكن الشيء الذي كان يعلقه الشيخ على صدره أيقظ بداخلي مشاعر و أحاسيس أكثر مما قد تفعله زيارة لمعرض تريتياكوف Tretyakov Gallery.

سألت الشيخ:" كم مضى على صقلك لقطعة خشب الأرز هذه؟"

أجاب :" تلاثة وتسعون سنة ."

"وكم تبلغ من العمر؟"

"تسعة عشر و مائة سنة."

في ذاك الوقت لم أكن لأصدق كلامه، و قد بدا لي الشيخ في الخامسة و السبعين، و بسبب شكوكي التي طغت على ملامحي أو لأنني لم اعره الإنتباه، استهل الشيخ، والذي كان متحمسا قليلا، في محاولة اقناعي بكون أن الشخص الذي يصقل قطعة الخشب بنفسه، يجعلها بذلك تصير جميلة في نظر الآخرين أيضا في غضون ثلاث سنوات وثم بعدها ستصبح أجمل و أجمل. خصوصا بالنسبة للنساء. إن عبيرا دافئا سينبع من جسد صاحب القطعة لا يمكن مقارنته بشيء من صنع الإنسان!.
 
إنضم
6 مايو 2017
المشاركات
106
الإعجابات
113
الجنس
ذكر
#3
غير مستبعد فهناك نباتات فيها من الأسرار لا يعلمها إلا الله لكن للأسف نسبت 80 بالمئة من النباتات النافذة المفعول هي سامه أو توجد في أماكن لا تطالها أيدى البشر أو هناك من النباتات ما يعلم تأثيرها إلا الخاصة من أصحاب العلم ?