ضحايا وباء الكورونا بين الموت والشهادة

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
144
الإعجابات
118
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
ضحايا وباء الكورونا بين الموت والشهادة
في باديء البديء نتقدم بتعازينا ومواساتنا لكل عائلات ضحايا وباء الكورونا الذي يهاجم البشر حالياً وفي كل مكان على وجه الأرض، ولا نتردد بالدعاء للمرضى بالشفاء العاجل وتخطي الأزمة التي في حال إستمرارها لا سامح الله سوف تكون الفاجعة الكُبرى لأهل الأرض من البشر تحديداً ومن دون شك.
وبالعودة إلى عنوان هذهِ المقالة فهو لا يعدوا عن كونهُ سؤال يتكرر بين الناس في هكذا مواقف عندما تقف البشرية جمعاء عاجزة أمام هذا الوباء ولا تدري متى وكيف سوف ينتهي هذا الأمر، حينها يتقدم العديد من الأشخاص بتفسيراتهم وتحليلاتهم حول هذا الأمر لعلهُم بذلك يلفتون أنظار من حولهِم إليهم.
فمما لاشك فيه أنَّ الإنسان يبدأ بالهلع عندما يعجز عن مواجهة تهديد ما لحياته وحياة من حولهِ من البشر، وهذا الهلع يقوده إلى الإستماع لكل ما يخص هذا التهديد من قريب أو بعيد، أما ما يخصنا نحن هُنا هو دفع الناس إلى مراجعة انفسهم عن طريق إعادة شريط حياتهم لمعرفة معنى وجودهِم والمغزى من حدوث ما يهدد هذا الوجود سواء من قريب أم بعيد.
السؤال الحقيقي هُنا هو لماذا الخوف والهلع ومصير المخلوقات جميعاً على هذهِ الأرض ومن دون إستثناء لأحد هو الموت، ولم يصدف أن وجِد مخلوق واحد لم يمت سواء كان إنسان أم حيوان أو حتى نبات ، والجواب المنطقي هُنا هو أن السبب الحقيقي للهلع هو الخوف من الموت.
أما مشاركتنا هُنا هي في طرح بديل للموت الحزين ألا وهي الشهادة السعيدة، عندئذن لا يعود هُناك خوف او هلع من مصير الموت المحتوم، كيف لا والشهادة أسمى معاني الموت ونحن نقرأ قولهُ تعالى في سورة آل عمران : (وَلَا تَحْسَبَنَّ الَّذِينَ قُتِلُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ أَمْوَاتًا ۚ بَلْ أَحْيَاءٌ عِندَ رَبِّهِمْ يُرْزَقُونَ (169) ) ، فتفسير هذهِ الآية الكريمة لا يختلف عليهِ إثنان حين تستبدل الموت الحزين بالموت السعيد أي الموت في سبيل الله وهو معنى الشهادة الحقيقي من دون شك والشهادة هي الحياة عند رب العالمين أي في جنَّة النعيم والمشار بها في هذه الآية بكلمة (يُرْزَقُونَ ).
هذا الطرح هو ما نجده موثَّق في دين الإسلام الحنيف دون الأديان الأخرى، والطرح هُنا جاء ليُفرِّق بين الموت والشهادة وبغض النظر عن أسباب الموت سواء كان وباء كورونا ام غيره من أسباب فناء المخلوقات الأرضية، إذاً الموت غير الشهادة، كذلك الكُفر غير الإيمان، فعند مراجعتنا للتعاريف والأقوال الخاصة بالإيمان سواء كانت في المفهوم الخاص بالأديان أم بالشكل العام أو غيره، نجد بأنَّ تلك الأقوال في المُجمل قد تقترب من حقيقة الشهادة أحياناً أو تبتعد عنها في أحيانٍ أخرى، سواء كان ذلك عن قصد أو من دونهِ.
لتقريب موضوع الإيمان عند البشر، نقول بأنَّ الإيمان إنما هو التصديق الكامل بالشيء، والمبني على الثقة المُطلقة والعمياء بذلك الشيء، سواء كان هذا الشيء محسوس وملموس أم لم يكن كذلك.
إذاً الإيمان من ضروريات الحياة عند الإنسان سواء قبل الموت أم بعده، ففي حياتنا كبشر على الأرض نجد أنَّ الإنسان لا يستطيع العيش أو حتى التحرك من هُنا إلى هُناك دون الإيمان، وبغض النظر عن ذلك الشيء الذي يجب أن يؤمن بهِ.
مثلاً عندما نشرب الماء، فإننا نثق ونُصدق ونؤمِن بأن مصدر هذهِ الماء هو مصدر موثوق لا شك فيهِ، وإذا حدث وأن شككنا بالمصدر فإننا سوف نتوقف عن الشرب، وهذا طبيعي، فمجرد وجود أي شك بأنَّ الماء في هذهِ العبوة أو تلك أو من هذا المصدر أو ذاك إنما هو ماء ملوث وقد يؤدي إلى الوفاة فإننا سوف نرفض الشرب منهُ، ونبدأ على الفور في البحث عن مصدر آخر نثق بهِ ونؤمن بمصداقيته كي نأخذ الماء منهُ ونشربهُ بكل ثقة واطمئنان، وذلك حتى نكون مطمئنين على حياتنا وحياة من نحب من حولنا.
وعليه فإنَّ عدم وجود الإيمان الصادق بأنَّ مصدر هذا الماء هو مصدر موثوق ويخدم صالح الإنسان ولا يضر بهِ، قد يؤدي بالناس إلى تفضيل الموت عطشاً على أن يقدموا على شرب ذلك الماء.
هذا الأمر ينطبق على كل شيء في حياتنا حتى الهواء والأرض التي نمشي عليها والطريق الذي نسلكه وهكذا دواليك.
إذاً المسألة في حقيقتها تنحصر بين أن نؤمن فنعيش سعداء، أو لا نؤمن فنموت تعساء.
فالإنسان يجب أن يؤمن بأنَّ المياه التي يشربها غير سامة أو ملوثة ليستطيع أن يشرب، حتى وإن لم يرى أو يعلم بالمصدر.
الإنسان يجب أن يؤمن بأنَّ الطعام الذي يأكلهُ غير سام أو ملوث ليستطيع أن يأكلهُ، حتى وإن لم يرى أو يعلم بالمصدر.
الإنسان يجب أن يؤمن بأنَّ الهواء الذي يتنفسهُ غير سام أو ملوث ليستطيع أن يستنشقهُ، حتى وإن لم يرى أو يعلم بالمصدر.
الإنسان يجب أن يؤمن بأنَّ الأرض الذي يمشي عليها غير محفورة أو رخوة ليستطيع أن يمشي عليها، حتى وإن لم يرى أو يعلم بالمصدر.
الإنسان يجب أن يؤمن بأنَّ الملابس الذي يلبسها غير سامة أو ملوثة ليستطيع أن يلبسهاُ، حتى وإن لم يرى أو يعلم بالمصدر.
الإنسان يجب أن يؤمن بأنَّ السائق الذي يسوق الحافلة غير نائم أو سكران ليستطيع أن يركب الحافلة، حتى وإن لم يرى أو يعلم بذلك السائق.
الإنسان يجب أن يؤمن بأنَّ البناء الذي يعيش تحته غير متراخٍ أو متشقق ليستطيع أن ينام تحته، حتى وإن لم يرى أو يعلم بمصدر البناء.
الإنسان يجب أن يؤمن بأنَّ البائع الذي يبيعه السلع ليس بنصاب أو مجرم ليستطيع الشراء منه، حتى وإن لم يرى أو يعلم بحقيقة ذلك الشخص.
الإنسان يجب أن يؤمن بأنَّ أباه وأمَّهُ اللذان يعيش معهما يحبانهُ ويريدان مصلحتهِ ليستطيع أن يسمع كلامهما، حتى وإن لم يرى أو يعلم بماضيهِم وبنيتهِم.
بالصورة ذاتها والمبدأ ذاته، نقيس كل الأمور المُحيطة بالإنسان في حياتهِ على الأرض بل وفي مماتهِ كذلك، فعكس ذلك هو عدم الثقة أو الإيمان بأيٍ من تلك الأمور المحيطة به، فيطلب حينها إنهاء حياته على الأرض فيذهب وينتحر.
هذا بخصوص الإيمان وأهميتهُ للحياة على الأرض، فماذا يمكننا القول بعد أن تنتهي حياة ذلك الإنسان الأرضية؟
نقول كما قلنا بخصوص حياة الإنسان الأرضية، فكما أنَّ هُناك من يرغبون في أن يستمروا بالعيش على الأرض بعدما أمنوا ووثقوا بمعطيات الحياة الأرضية بما توفره من أساسيات العيش الآمن، يكون لزاماً أن يكون عندهُم الإيمان والثقة الكاملين بمميزات الشهادة الموعودة من رب العالمين دون أن يروا المصدر أو يعلموا بحقيقتهِ.
عكس ذلك ممن يصرون على أن لا يؤمنوا أو يثقوا بتلك المُعطيات الربانية سواء كانت في الحياة أم بعد الموت فهم في حقيقتهم يطلبون الموت بسبب عدم ثقتهِم بخالق الحياة وهُم بذلك يُقبلون على الموت الحزين بطريقتهِم الخاصة، سواء بالموت البطيء عن طريق تعاطي المواد السامة كالسجائر والمخدرات وغيرها كثير، أو بالموت السريع عن طريق الانتحار المُباشر.
وعليهِ فبالمقياس ذاتهُ نقيس الأمور بخصوص الحياة ما بعد الموت، حيث كما أنَّ هُناك من يرغبون بالعيش بعد الموت، فيكون لزاماً عليهِم أن يكون لديهِم إيمان وثقة بالمصدر الذي يعدهُم بتلك الحياة، ليبحثون بين الأديان والفلسفات عن أفضل عروض الحياة بعد الموت والتي يوفرها هذا الدين أو ذاك، نجد أنَّ هُناك من لا يرغبون بالعيش بعد الممات فلا يؤمنون بشيء.
إذاً من يُريد أن يعيش كبقرة أو أي حيوان آخر بعد موتهِ، عليهِ أن يثق ويؤمن بوعود الدين الهندوسي ويصدق بآلهتهِم المُتعددة.
ومن يرغب بأن تكون نهاتهُ في العيش تحت سطح الأرض بعد موتهِ، عليهِ أن يثق ويؤمن بوعود بوذا ويثق بهِ.
أما من يرغب بأن يعيش كسيد على الأرض والباقي هُم عبيداً لهُ بعد موتهِ، عليهِ أن يثق ويؤمن بدين اليهود.
وهُناك من يرغب بأن يكون ملاك على الأرض بعد موتهِ، هؤلاء عليهِم أن يثقوا ويؤمنوا بالمسيحية.
يبقى هناك من يرغب في الُخلّوَد بنعيم الجنَّة بعد موتهِ، هؤلاء كل ما عليهِم فعلهُ هو أن يؤمنوا ويثقوا بوعد الله لهم وبحقيقة اليوم الآخر الموثَّق بالقرآن الكريم وبصدق دين الإسلام العظيم وبأمانة رسولهِ الكريم محمد إبن عبد الله عليهِ أفضل السلام وأتم تسليم.
الخلاصة هي أنَّ كل دين أو فلسفة تعِد الناس بشيء في مسعاها لجذب البشر من الذين يرغبون بهذا الوعد وليبتعدوا عن ذاك.
بخصوص من لا يرغبون بالعيش بعد الموت فهؤلاء لا يؤمنون بشيء مثل المُلحدين وغيرهِم من الوثنيين، وهؤلاء يصل بهِم الحال في كثير من الأحيان إلى كراهية العيش على الأرض بالمطلق فينتحرون.
مما سبق نستنتج بأن متطلبات العيش الهني والسعيد على الأرض هو الإيمان بالله وكتبهِ ورسلهِ وباليوم اآخر، وكذلك متطلبات العيش والخلود في نعيم الجنَّة بعد الأرض هو الإيمان بالله والشهادة في سبيله.
أما الذي لا يؤمن بالغيب في حياتهِ على الأرض يكون مصيره المعيشة الضنكى عليها أي التعيسة والشاقة في إنتظاره للموت الحزين، فبعد الموت الحزين لن يجد سوى العذاب الأبدي في جهنَّم وبئس المصير.
إذاً الذي يطلب السعادة الأبدية بعد الموت إنما ينالها بالشهادة عن طريق الإيمان وحده ، والذي يرفض السعادة في الدُنيا إنما هو بذلك يطلب التعاسة الأبدية في الدُنيا والآخرة لينالها عن طريق عدم الإيمان بالله وحده، وذلك تصديقاً لقولهِ تعالى في سورة طه: (قَالَ اهْبِطَا مِنْهَا جَمِيعًا ۖ بَعْضُكُمْ لِبَعْضٍ عَدُوٌّ ۖ فَإِمَّا يَأْتِيَنَّكُم مِّنِّي هُدًى فَمَنِ اتَّبَعَ هُدَايَ فَلَا يَضِلُّ وَلَا يَشْقَىٰ (123) وَمَنْ أَعْرَضَ عَن ذِكْرِي فَإِنَّ لَهُ مَعِيشَةً ضَنكًا وَنَحْشُرُهُ يَوْمَ الْقِيَامَةِ أَعْمَىٰ (124)).
فإيمان الفرد بالحياة السعيدة على الأرض أو عدم إيمانه بها إنما يُثبت بأنَّ هُناك من يمنح الحياة السعيد والشهادة لمن يطلبها، وهُناك من يُمنح الموت الحزين الذي هو نقيض الحياة على الأرض لمن يطلبهُ أيضاً وهو الله سُبحانه.
إذاً إيمان الفرد بالخلود بعد حياتهِ على الأرض أو عدم إيمانه بذلك إنما يُثبت بأنَّ هُناك من يمنح السعادة الأبدية لمن يطلبها، وهُناك من يَمنح العذاب الأبدي والذي هو نقيض السعادة الأبدية لمن يطلبهُ وهو الله سُبحانه.
فكل البشر يعلمون يقيناً وبدون شك بأن نقيض الحياة هو الموت، إذاً عليهِم أن يعلموا يقيناً يأن نقيض السعادة الأبدية التي يحلم بها المؤمنون بالله واليوم الآخر، هو العذاب الأبدي لمن لا يؤمنون بالله واليوم الآخر.
فالإيمان بالحياة يُقابله الإيمان بالسعادة الأبدية بعد الحياة، وعدم الإيمان بالحياة أي الموت، يُقابلهُ عدم الإيمان بالسعادة الأبدية وأختياره للعذاب الأبدي.
وكون البشر يؤمنون بالحياة وبنقيضهِ الموت فهم بذلك يؤمنون في الله الذي خلق الحياة والشهادة وهو الذي خلق الموت والعذاب.
إنَّ الله في مُحكم آياتهِ قد وعد المؤمنون بهِ بالسعادة الأبدية وذلك كونهُم يطلبوها بإيمانهِم بهِ وبتصديقهِم لرسلهِ وكتبهِ المرسلة، كذلك الله يعِد الذين لا يؤمنون بهِ بالعذاب الأبدي كونهُم يطلبوا ذلك العذاب عن طريق عدم الإيمان بهِ أيضاً، فالله لا يظلم أحدا.
قد يقول قائل بأنَّ البشر يحيون بإرادتهِم ولكنَّهُم لا يموتون بإرادتهِم، وهذا كلام مغلوط ومردود على صاحبهِ، فالذي يطلب الحياة بصدق يا إخوتي إنما يطلبها بالحقيقة في الدٌنيا والآخرة، لذلك نجدهُ يُمارس الإيمان الحق بالدُنيا والآخرة حتى يعيش في حياتهِ على الأرض ويسعد إلى الأبد بحياتهِ في الجنَّة أي في الآخرة.
أما الذي لا يطلب الحياة إنما يرفضها في الدُنيا والآخرة عن طريق عدم الإيمان بخالقها، لذلك فهو يُمارس الكُفر بالله في الدُنيا والآخرة ليعيش حياة قصيرة في الدٌنيا وهو كنوع من الانتحار ليتبعها عذاب أبدي بالآخرة.
إذاً الذي لا يؤمن بالله إنما يطلب الموت بإرادتهِ، وبالتالي فهو يطلب العذاب الأبدي بإرادتهِ أيضاً.
أما الذي يؤمن بالله إنما يطلب الحياة بإرادتهِ، وبالتالي فهو يطلب الحياة والسعادة الأبدية بإرادتهِ أيضاً.
وكُلاً سوف ينال مُرادهُ إن شاء الله، ولا يظلم ربك أحدا.
والحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على سيد المُرسلين محمد وعلى آلهِ وصحبهِ أجمعين.
محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)