حَقيقة القرآن ككتابٍ سَماوي

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
144
الإعجابات
118
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حَقيقة القرآن ككتابٍ سَماوي

القرآن الكريم هو ذلِك الكِتاب المُنزَّل مِن ربِّ العَالمين ، فيهِ هُدًى لِلنَّاسِ وتَبصير وتَفسير لِكُلَّ شيءٍ ، وكذلِك فِيهِ بَيَّان وتَفصيل لِجَميعِ العُلوم التي ندرُسُها والتي نُمارِسُها حالياً أيضاً ، ولِتلك التي سَوف نَتعامَل مَعها ونُمارسُها لاحقاً في الجنَّة إن شاءَ الله .
فالقرآن لا يُمكن أن يأتيهِ البَاطِل مِن بينِ يَديهِ ولا مِن خَلفهِ أبداً، اتباعاً لقولهِ تَعالى في سورة فصِّلت الآيات 41-42: بسم الله الرحمن الرحيم ( إِنَّ الَّذِينَ كَفَرُوا بِالذِّكْرِ لَمَّا جَاءَهُمْ وَإِنَّهُ لَكِتَابٌ عَزِيزٌ (41) لَا يَأْتِيهِ الْبَاطِلُ مِنْ بَيْنِ يَدَيْهِ وَلَا مِنْ خَلْفِهِ تَنْزِيلٌ مِنْ حَكِيمٍ حَمِيدٍ (42)) صدق الله العظيم.
أو لِقولِهِ تَعالى في سُورة الإسراء الآية 9 :
(إِنَّ هَٰذَا الْقُرْآنَ يَهْدِي لِلَّتِي هِيَ أَقْوَمُ وَيُبَشِّرُ الْمُؤْمِنِينَ الَّذِينَ يَعْمَلُونَ الصَّالِحَاتِ أَنَّ لَهُمْ أَجْرًا كَبِيرًا ﴿٩﴾).
ففي هذهِ الآية الكَريمة تمَّ التَأكيدُ على صِيغَة التَفاضُل في كَلِمَة (أَقْوَمُ) ليَتِم تَذكير النَّاس بالأفضلية المُطلقة لِجميع العِلوم المُستنبَطة مِن القُرآن على جَميع العِلوم والمَفاهِيم الأُخرى ، ففعل يَهدي هُنا جاءَ مُرادِفاً لِمَعنى يَرشِد إلى الصواب، ولَن يَكون الإنسان بِحاجة إلى الهِداية إلا بَعد أن يَضل طريقهُ إلى الصَواب شَريطة أن يعتَرِف بِذلك، وليسَ هُناك أَفضل مِن كِتاب الله ليَهدی بهِ مَن أَضلَّ السَبيل، لما فيهِ مِن عِلم نَافِع ونُور سَاطع لكلِ الأُمم ولِجَميع الأَجناس، مَهما إختَلَفت ألوانُهُم وتَباعَدت أَقطارُهم، ولِما فيهِ أيضاً مِن خبرٍ يَقينٍ حولَ ما نَنشُد معرفتهِ ونَتقصَّى حقيقتهِ.
ولا يَجدُر بِنا أن نَنسى مُعجِزة الخَالِق الخَالِصة له ُوالخَاصَّة بِنا وهي التي لم يَنتدِب أحدٌ أو يوكِلُ أمرُها لِمخلوقٍ كَي يَقوم بِها، سَواء كَان مِن إنسهِ أو جنَّهِ، أو حتى ملائكتهِ ولا لأي مخلوقٍ آخرَ في الأرضِ أو السَماء، وهذهِ المُعجِزة تتمثل بحفظهِ للقرآنِ الكَريمِ كَكِتابٍ مُقدَّسٍ مُتكامِل ، وصيانته من كل شرٍ أو سوء قد یَلِمُّ بهِ مِنذُ ما يَزيد عَن ألفٍ وأربعمائةِ عامٍ ، متحدياً بذلك جميع المحاولات الشريرة من قِبل الإنس والجِن و التي ما دأبَت تَعمل جَاهِدةً على المَساس بِصيَاغَتهِ العَجيبة وبآياتهِ المُحكمات على أمل أن تُغِّير أو تُبدِّل ما يَحلو لَها مِن أَحكامٍ وشَرائِع ، دون أن تَتوصَّل إلى تَحقيق أي نَجاحٍ يُذكر، وذلك رَغمَ النَجاح الذي حَققتهُ بشأنِ الكُتبِ السَماوية السابِقة، فكلٍ مِن التَوراةِ والإنجيلِ عِبارة عَن مَجموعة ٍمِن كُتبٍ مَنسوخة لا تَشبه ولا تَتطابق مَع بَعضِها بعضاً، ولا يُمكِنُنا هُنا نَسب الفَضل بِبقاءِ القُرآنِ الكَريمِ سَالماً مِن أي تحَريفٍ لأي طرفٍ بشري أو جِهة مسؤولة ، لأنَّ المُحافَظة على النُسخ المَوجودة جاءَ رَغمِ كلِّ التَغيُّيراتِ الجَذرية في السياساتِ الحَاكِمة لَدى البُلدان الإسلامية، وهذا خِلال الحِفنة الماضِية مِن الزَمن، والَّتي عَانت فيها هذهِ الدُوَّل مِن مُختلِف الظُروف البيئية السيَّئة، ومع هذا كُلَّهُ لم يحَدث أن لاحظنا أي نوعٍ يُذكر مِن التَغيير أو التَبديل لِكلماتِ اللهِ الموجودة فيه.
لَيصدق قولهُ تَعالى في سورةِ الحِجر الآية 9: (إِنَّا نَحْنُ نَزَّلْنَا الذِّكْرَ وَإِنَّا لَهُ لَحَافِظُونَ ﴿٩﴾).
وبِهَذا الكَلام يكون قد تمَّ إِزالَة أدنى شك يُمكن أن يتولَّد لدَى أيُ إِنسان يؤمِن باللهِ واليومِ الآخِر حول مِصدَاقية الكَلام الموجود في هذا الكِتاب المُنزَّل، وعليهِ فلا بُدَّ أن نَجد في آياتِ القرآنِ الصِدقِ كُلَّهُ وكَذلِك الحَقيقة الكَامِلة المَرجوَّة والحُكم النَافِذ العادِل ، وعليهِ فكلِّ ما نَجِدُ خبَرهُ ونتبيَّن تَفسيرهُ في هَذا الكِتاب مِن علومٍ ومَفاهيم وكذلك أَحكام وقَوانين وغيرِها، ما هيَّ إللَّا عِبارة عَن أَمثِلة للحقيقة المُطلقة المَرجوَّة في زمَانِنا الحَاضِر، ودَلائل واضِحة وبيِّنة لتُرشِدَنا إلى القولِ الفصلِ والحُكم العَدلِ لِما يَخُص مَرجعية ومِصداقية العِلوم أو المَفاهيم المَطروحة أمام مجتمَعَاتنِا الإنسانية إسلامية كانت أم غيرِها، والتي ما بَرِحت تُكلِفُنا الغَالي والرَخيص في سَبيل البَحث عن هذهِ العِلوم .
فإذا أرَدنا حقاً مَعرِفة حَقيقة ما نُؤمن بهِ ونُصدِّقهُ ونُسلِّم بهِ ، علينا الإنصياع إلى أوامِر الخَالق واتبِّاع تَعليماتِه والمَنقولة عَنهُ بِكلِّ صِدقٍ وأمَّانَة والمَوجُودَة فِي كُتبُهِ المُرسَلة للعَالمين عَن طَريقِ رُسُلُهِ وأنبيائهِ الصَالحين .
لِنَكونَ بعدَها حَقاً مُسلمين ومؤمنين باللهِ واليومِ الآخِر، ولا يوجَد أمَامُنا غَير ذلك مِن سَبيل أو بَديل على الإطلاق ، ولا يَنبَّغي أن يَكون، فأيُ علمٍ آخَر مصدَرهُ ومنبَعهُ ليسَ مِن الكِتاب أو السُنَّة، ما هو إلا فِتنة نُفتَنُ بِها وشرٌ نُبتَلى بهِ، ولا يَفوتَنا هُنا التَنويه إلى حَديثِ رَسولِ الله عليه ِالصَلاةُ والسلام والذي يَقول ((كلُّ مُحدِثةٌ بِدعة وكُل بِدعةٌ ضَلالة وكُلِ ضَلالةٌ في النَّار )) صدق رسول الله .
فَحقيقة القُرآن ككِتابٍ سَماوي نَتلمَّسُها بِمَدى المَفاهِيم والقِّيم العَظيمة التي يَطرحُها، وبِمدی ذِګرَهُ وتنويهَهُ لأهمية الكُتب السَماوي الأُخرى كجُزءٍ لا يَتجزَّأ مِنهُ وكَحقيقة مُطلقة خَالدة وبَاقيَّة إلى ما شاء الله.

مِن كِتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) صفحة 032-033
تأليف: محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)