حقيقة قُدرة الإنسان على الخلق بإذن الله

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
104
الإعجابات
110
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حقيقة قُدرة الإنسان على الخلق بإذن الله


لا يفوتنا ذكر موضوع آخر لا يقل أهمية عن الصفات البشرية، وهو مقدرة روح الإنسان الجزئية (الغير مٌطلقة)على الخلق بإذن الله، حيث قال عزَّ من قائل في سورة المائدة الآية 110: ( إِذْ قَالَ اللَّهُ يَا عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ اذْكُرْ نِعْمَتِي عَلَيْكَ وَعَلَىٰ وَالِدَتِكَ إِذْ أَيَّدْتُكَ بِرُوحِ الْقُدُسِ تُكَلِّمُ النَّاسَ فِي الْمَهْدِ وَكَهْلًا ۖ وَإِذْ عَلَّمْتُكَ الْكِتَابَ وَالْحِكْمَةَ وَالتَّوْرَاةَ وَالْإِنْجِيلَ ۖ وَإِذْ تَخْلُقُ مِنَ الطِّينِ كَهَيْئَةِ الطَّيْرِ بِإِذْنِي فَتَنْفُخُ فِيهَا فَتَكُونُ طَيْرًا بِإِذْنِي ۖ وَتُبْرِئُ الْأَكْمَهَ وَالْأَبْرَصَ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ تُخْرِجُ الْمَوْتَىٰ بِإِذْنِي ۖ وَإِذْ كَفَفْتُ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَنْكَ إِذْ جِئْتَهُمْ بِالْبَيِّنَاتِ فَقَالَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْهُمْ إِنْ هَٰذَا إِلَّا سِحْرٌ مُبِينٌ ﴿١١٠﴾)، فبفضل روح الله يتمكن الإنسان أن يخلق أي شيء من العدم بإذن الله وكذلك أن يشفي المرضى بإذن الله وأن يُحي الموتى بإذن الله وحدهُ، فإلإنسان مؤهل لتلك الأفعال بفضل روح الله التي تسكنهُ (ولا مخلوق غيرهُ).

أما في السؤال عن الكيفية التي يتم من خلالها القيام بمثل هذهِ الأفعال؟ فردُنا هو في المثال التالي:

عندما أمر الله نبينا نوح عليهِ السلام ببناء سفينة عملاقة وذلك في منطقة لا يوجد فيها بحر بالأصل، كان هذا الأمر غريباً عليهِ وعلى فهم من حولهِ من البشر وذلك بسبب عدم توفر المعرفة المُسبقة بأمور كهذهِ أو عدم وجود الخبرة الكافية لإدارة مشاريع من هذا النوع، ولكنهُ كان مطمئناً بسبب توجيه الله سبحانهُ وتعالى لهُ عن طريق روحهِ العزيزة ووحي الله الغير مُنقطع عنهُ، فتمَّ لهُ ذلك.

أما الآن فبناء مثل هذهِ السفن العملاقة أمرٌ يسير وذلك بسبب توفر العلوم والمفاهيم كذلك القوانين اللازمة لإنجاح مثل هذهِ المشاريع، وبمعنى آخر بناء السفن العملاقة في زمن نوح مُعجزة ربانية أما في وقتنا الحالي فهو أمر طبيعي جداً وبعيد كل البعد عن كونهُ مُعجزة أو عمل خارق للعادة أو مستحيل.

إذاً عندما تتوفر العلوم والمفاهيم اللازمة لإنجاح أي هدف يكون من اليسير تحقيقه، فالمعجزة تتمثل بصلتها المباشرة مع الله سُبحانهُ وليس في طبيعة الأمر نفسهُ وذلك لسبب بسيط ألا وهو أنَّ الله خلق كل شيء بمقدار أو بقدر محدد مُسبقاً لقولهِ تعالى في سورة القمر الآية 49، 50: (إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْنَاهُ بِقَدَرٍ (49) وَمَا أَمْرُنَا إِلَّا وَاحِدَةٌ كَلَمْحٍ بِالْبَصَرِ (50))، وعليهِ فبمجرد علمنا بهذهِ المقادير وصيغتها وحقيقتها سوف نتمكن بعدها من عمل الشيء نفسهُ عن طريق معرفتنا وفهمنا لهذهِ الأمور، تماماً كما حصل بالنسبة لسفينة نوح عليهِ السلام فهي مُعجزة لأنها تمَّت دون دراية أو علم مُسبق، وعندما تتوفر كل من الدراية والعلم المُسبق لا تعد مُعجزة بحد ذاتها، فالشرط الأساسي والوحيد في إنجاز هذهِ الأمور أو أي أمر آخر هو إذن الله المُسبق في حدوثها ومن دونهِ يستحيل أن يتم أي شيء في هذا الكون ولا يجوز لهُ أن يتم أيضاً، فمشيئة الله وإرادتهِ المُسبقة في حدوث أي أمر هي الأساس وليس العمل نفسهُ.

مما سبق شرحهُ وبنفس المفهوم نستطيع أن نقوم بما قام بهِ الأنبياء من قبلنا ولكن على أساس من العلم والمعرفة المُسبوقة بمشيئة الله وفضلهِ على العالمين، فسواء كان ذلك العلم مادياً أو روحانياً، المُهم هُنا هي الطريقة التي يتم بها إنجاز العمل ليس إلا.

ونود هُنا أن نشير إلى فعَّالية كُل عِلم ومدى نجاحهُ في تحقيق النتائج المرجوة كذلك ومدى السلبيات التي يمكن أن يُخلفها ذلك العلم أو تلك الطريقة مما يُرجِّح كفَّة العِلم أو المعرفة التي لا تُسبب نتائج عكسية خطيرة أو تُكلِّف أموالاً طائلة وجهوداً جبَّارة من قِبل الناس، وهذا هو الحال مع العلوم المادية الحالية فنتائجها العكسية مميتة وتكاليفها باهظة والجهود المبذولة فيها جبَّارة ومُتعبة، لذلك فالعلوم الروحية هي البديل المُناسب والوحيد بسبب ما نراه من بعض تطبيقاتها العملية عند البعض والتي لا تُكلف جهداً كبيراً ولا تستنزف أموالاً طائلة، وكل عيبها يتمثل بأساسها المبني على الممارسة وليس العلم والمعرفة في الأسباب والمسببات لهذهِ الفعاليات أو مصدر هذهِ القُدرات والمواهِب.

فما يفعلهُ الأطباء على سبيل المثال إنما هو نتيجة رغبة الروح التي بداخلهُم للعمل على شفاء الآخرين من أمراضهِم، وهذهِ الرغبة متوقفة على مشيئة الله وحدهُ، وعليه فالطبيب يشفي المرضى بإذن الله فقط تماماً كما كان عيسى عليهِ السلام يشفي أو يُبريء الأكمه والأبرص بإذن الله، فالنتيجة واحدة والإختلاف موجود في إسلوب التطبيق فقط، فإسلوب عيسى عليهِ السلام متطور جداً بحيث إنَّهُ لم يحتاج إلى وسائل مادية ليشفي مرضاه وأكتفى بقدراتهِ الروحية لتحقيق ذلك وبإذن الله المُسبق، فقدرتهُ تلك صادرة من قوة الروح الخالصة فيه فقط، أما إسلوب الأطباء الحالي فهو مُتأخر عند مقارنتهِا بقدرات الروح (المقدسة) لكون إسلوب الأطباء مرهون برغبة الروح الموجودة في الطبيب لشفاء المرضى وبإمكانياته المادية المتوفرة لديه وبمعرفتهِ الآنية بهذهِ الحالة فقط.

أما من خِلال طاقة الروح الجبارة يستطيع الإنسان أن يخترق حدود المادة ويتعداها، وهو بعد إذن الله وبفضلهِ سوف يكون لهُ القدرة للسيطرة على المواد والتاثير عليها كما يشاء، تماماً كما نشاهد ونقرأ عن العديد من الأشخاص الحقيقين الذين يقومون بهذهِ الأفعال بقواهُم الروحية المُجردة أو كما يتم تشبيههُ بقصص الخيال العلمي.

في نهاية المطاف فكل شيء يحدث في السماوات والأرض هو بأمر الله وحدهُ ولن يتعدى مشيئتهُ وإرادتهِ في إتمام هذا الأمر أو ذلك، ولا يتعدى الأمر بالنسبة للبشر عن كونهُ مسميات، فأفعال الأنبياء تُسمى معجزات وأفعال الصالحين تُسمى كرامات كذلك أفعال الدارسين تُسمى علوم وأفعال الممارسين تُسمى سِحر وأفعال الأشقياء تُسمى شعوذة وهكذا.

من كتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية – الجزء الأول) صفحة 153

تأليف : محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي).