حقيقة علوم الكتب السماوية

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
144
الإعجابات
118
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حقيقة علوم الكتب السماوية

إن طهارة النفس تكون فقط بإخلاصها وولائها المطلق لله الواحد القهار، والمقصود بالولاء المطلق هنا الَّلا يقبل الإنسان المؤمن بأي تشكيك أو تزوير للحقائق الثابتة ، والتي من أهمها أن الله هو الأول والآخر وهو الظاهر والباطن، وأنه هو وحده القاهر فوق عباده .

وبناءاً عليه يتوجب هُنا على عباد الله جميعاً أن يعودوا إلى كُتب اللهِ السماوية لدراسة علومِها وتعاليمها السَمحاء ، لتكون بعدها أي هذه الكتب هي المرجِع الأول والأخير في جميع أمور

حياتِهم دون إستثناء ، فليس هُناك أمر ولا حدث يحدُث على سطح هذهِ الأرض أو في هذا

الكون إلا أن يكون تفسيرهُ موجوداً في الكُتب السماوية بشكل عام وفي القرآن الكريم بشكلٍ خاص، وذلك بسبب عِلم الله المُسبق به وبحدوثهِ وأنَّهُ قد تمَّ ببركتهِ ومشيئتهِ وحده لا إله إلا هو .

لذلك فسبيلنا الوحيد لمعرفة حكم الله في هذا الشأن أو ذاك، يكون باللجوء إلى دراسة كتبه المرسلة للعالمين وبتتبع سيرة أنبيائه المرسلين، وبهذه الطريقة نسلك سُبل الصالحين من عِباد الله المخلَصين ، فنكون بإذن الله بعدها من الفائزين في الدُنيا والآخرة ، ومن ورثة جنَّة النعيم، فذلك هو الفوز العظيم .

قد يكون هذا الكلام ليس بالجديد على مسامِعنا ، أمَّا الجديد هُنا فهو تركيزنا على مُصطلح مُحدَّد ، ألا وهو مُصطلح عِلمُ الكِتاب ، والذي على أساسهِ كان عنوان هذا الكتاب حيث نعني بهِ جَميع العلوم التي تخص بني الإنسان تحديداً شريطة أن تكون مستوحاة من القرآن الكريم ومن الكتب السماوية الأخرى، وبذلك يتم تحقيق مبدأ الكمال والشمولية في إحاطته للعلوم البشرية .

والذي نقصُدُه بجميع العلوم هي تِلك المَفاهِيم التي تَعمل على توسيع مدارك الإنسان في محيطهِ الدنيوي ، أي تُنمَّي قُدراتهِ العَقلية والجَسدية لتزيد بِذلك من استقلاليته ورفاهيته وبالتالي حريته الشخصية، وتساعده في نفس الوقت على فهم وتفسير معظم الظواهر والأحداث التي تدور من حوله ، وطرحها كبديل حقيقي وواقعي للعلوم الوضعية الحالية والمبنية بشكل أساسي على الكُفر والإلحاد ، والمعرَّضَة بشكل حَتمي للإندثار والفَناء ، فما بُني على باطل لا يدوم ، ولا يُمكِن لأي عِلم أو مَعرفة في هذا الكون أن تَستَمر طالما أنَّها لَم تجد شرعيتها ومصداقيتها في الكُتب السماوية .

دليلنا على ذلك نَجِدَهُ في إندثار الكثير من العلوم الإنسانية السابقة والخاصة بالحضارات القديمة، وكذلك ما نلاحظه من عدم استقرار وكُثرة التحوَّل في العِلوم المُعاصرة لزماننا الحالي وفي شتى ميادينها المختلفة مما يؤهلها للاندثار كسابقتها.

فعِلمُ الكِتاب يتميَّز بالشمولية ، لأنَّهُ في حقيقتهِ عِلم الله الذي وسِع كُلَّ شيءٍ، و هو العِلمُ الوَحيد، الذي خصَّ به الله الخبير العليم عبادِه الصالحين وذلك كما جاء في القرآن الكريم ، ليكون لهم نورٌ وهُدى في الدنيا والآخرة.

ولن يُضيرُنا هُنا جمع أو حصر جميع أسماء وعناوين العلوم الإنسانية بمصطلح واحد ، خصوصاً وأنَّ هَذا المُصطلح هو المُسمَّى الوحيد الذي نجدهُ في القُرآن الكَريم، مما يدعوننا للإعتقاد بأنَّ جميع العُلوم الإنسانية قد تمَّ إختصارِها بمصطلح واحد هو عِلم الكِتاب طالما أن مصدر ومنشا جميع هذه العلوم هو الله الواحد الأحد.

فتجزئة المفاهيم الإنسانية هُنا لا تُساعِد إللَّا على ضَياعِها وتَشتُتها، وعلم الله هو العِلم المُطلق الذي لا يَقبل التَجزئة أو التحديث أو التغيير، فهو إذاً ضالتُنا ومُبتغانا في هذهِ الدِنُيا وفي الآخرة إن شاء الله . .

وعليه فعِلمُ الكِتاب في الدُنيَّا هو نفسَهُ عِلمُ الكِتاب في الآخرة ، لأن عِلمَ الله المطَبَّق في

الدُنيا هو نَفسَهُ عِلمُ اللهِ المُطبَّق في الآخِرة، إذ أنَّ المصدَر واحِد لِكِلا الحَالتين وهو اللهُ سبحانه ، بمعنى أنَّ هَذا العِلم لا يندَثِر أو يَضيع بِموتِ الإنسان أو فنائِه كما هو حال العِلوم الوَضعية الحالية، وذلك لأنَّ دور الإنسان أمامهُ مقصور فقط على إكتشاف ما هو موجودٌ ومُيسَّر فقط ولا يجوز لأي إنسان بأنَّ يتَعداهُ لأكثَرَ مِن ذلك ، وإن تعدَّاه يَكون خَلقاً وهَذا ما لا يَقدِر الإنسان فِعلَه بِمُفرَدِهِ.

مِن هَذا الُمنطَلَق نَفهم بأنَّ مِن ضِمن الشُروط الأساسية لِدراسَة عِلم الكِتاب هو إدراك فاعلية تِلك العِلوم المُستوحاة مِنهُ في حياتنا الدُنيا و في الآخِرة ، فمِن أهَم ما يُميِّزُهَا عن العِلومِ الأُخرى هو صَلاحيتُها لِبني الإنسان في جَميع الأحوال والظُروف والأمكِنة قَبل المَوت وبعده ، وكَذلِك كون عُنصر المَكان والزَمان بِمفهومِنا الحَالي مِن ضِمن العَناصر الغَير مَأخوذة بنِظرِ الإعتِبار على الإطلاق ، فنحنُ نتَكلم هُنا عَن العِلم المُطلق ، أي العِلم المُؤسِس لكُل العِلوم الدنيوية وهو أيضاً العِلم الذي قد تمَّ على أساسهِ تأسيس الكَون وخلقِهِ مِن اللا شيء ، أي مِن العدَم كَما سَيتم إثباته لاحقاَ.

لِذلك فالزَمان والمَكان الخاصَّان بالأرضِ والسمَّاء لا يكونان إلزاميان في تكوينِ الخَلق ، وذلِكَ لِسببٍ بَسيطٍ ألا وهو أنَّ كِلاهُما مشمولان بعمليةِ الخَلقِ، أي إنَّهُما مَخلوقانِ أيضأ، فالخالق الذي خَلَقَ كلُ شيءٍ وقدَّرهُ تَقديرا، هو نَفسهُ الذي حدَّد لخلقِهِ الزمَّان والمكان الخَاص بكُلِ مَرحلة مِن مَراحِل خَلقِه.

وعَليهِ فعِلمُ اللهِ المُستخدَّم في خَلقِ وتَنشِئة وتكوين الكَون مِن حولِنا ، هو عِلمٌ موجودٌ بوجودِ الخالِق ، لأنَّهُ في النهاية هو عِلمُ اللهِ الخاص بِهِ وحدَهُ والذي لم يُشاركهُ فيهِ أحد مِن خَلقِه إلا بِعلمِه وبِإرادتِهِ وحدَهُ، لِنَجِدَه ُبالتالي مِن ضِمن صِفاتِ وأَسماءِ الله الحُسنى وهو اسمُ العَليم الذي لّديهِ العِلمُ بِكُلِّ شيءٍ و(الخبير) الذي لديهِ خبَر كُل شيءٍ على الإطلاق .

مما سبق شرحَهُ يتَّضِح لَنا بأنَّ حقيقة عُلوم الكُتب السَماوية تتمثَّل بمرجعيتها لله والحق والتي

جاء ذِكرُها بالقرآنِ الكريمِ بصِيغة عِلم الكِتاب.

مِن كِتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) صفحة 014-016

تأليف: محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)