حقيقة علم الكتاب

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
144
الإعجابات
118
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حقيقة علم الكتاب

علم الكتاب هو علم كباقي العلوم المطروحة حالياَ، والتي تُدرَّس في مختلف المؤسسات التعليمية، وأهم ما يتميَّز بهِ عِلم الكتاب هو أسمه، كونه أُخِذ من القرآن الكريم. أما سبب طرحه كعلم جديد لم يسبق وأن اعتمدهُ أي مجتمع من قبل، هو یقیننا بحاجة المجتمعات البشرية إلى علم شامل ومتكامل لا يقبل التجديد والتطوير ليصل بالإنسان إلى مرحلة الإشباع الفكري والنفسي حتى تتوقف الشعوب بعدها عن البحث والتمحيص في ما هو جديد ومبتكر ليسود الاستقرار ويعم السلام المنشود من قبل الناس جميعاً .

فعِلم الكتاب علم يربط بين الحاضِر والماضي والمستقبل، وبين الخلق والخالق، وبين الدنيا والآخره.

ولا تتردد بتحديد مسؤولية دراسة هذا العلم والبحث فيه ومِن ثُمَّ نشر أُسسهُ ومفاهيمه بين الناس أجمعين، على المسلمين المؤمنين بالله واليوم الآخر بشكل خاص.

وذلك لكون المسلمين مطالبين بأن يشكروا الله كثيراً ويحمدوهُ على ما منَّ عليهِم من رحمتهِ وفَضلِهِ العَظيم ، وعلى أمَّة مُحَمَّد أجمعين، بأن جعل فيهِم الكتاب والنُبوَّة ، وهما خيرُ ما يُمكِن منحهُ لمخلوق في هذا الوجود ، ولا يُمكن لأي مُسلِم أو مُومِن أن يَطمَع بأكثر مِن هَذا، وأنَّ لهُ ذلك وقد جَمع الله في كُتُبهِ السماوية بين عِلم الدُنيا وعِلم الآخِرة، ليكون القُرآن الكريم آخِرُها ، وأرسَلَ المُرسَلين والأنبياء للعالمين ليكون مُحمَّد خاتِمَهُم.

هذا ما جاءَ ذِكرَهُ في آيات الذِكر الحكيم، وما تمَّ فِهمَهُ مِن أحاديث المصطفى المُختار وسيرَتهُ النبوية المطهَّرة، والتي نعمَل هُنا في هذا الكتاب على دراستها بحرص شديد والتمعُّن فيها من خلال التدرُّج المدروس في شرح المفاهيم الدينية والعلوم القرآنية المُعتمَدة في هذا الكِتاب، ثُمَّ يَتِم بعد ذلك إسنادها بحقائق منطقية وعلمية ثُمَّ إثباتها بِبَراهيِن وأدلة دامِغَة، لا ينكُرها عاقل، يعقِل الأمور كما هي أو يتجاهَلُها باحِث مُخلِص يقصُد الحقيقة بتفاصيلِها.

ولا يفوتنا أن نذكر بأنَّ على المُسلمين ألآ ينسوا واجِباتِهم والتزاماتِهم أمام الله وأمام رسولهِ والمؤمنين في تحمُّل مسؤولية حِمل الرسالة السماوية والمُتمثِلة في دينِ الإسلام للناسِ أجمعين .

وألَّا ينكروا ذلك الشَرف العَظيم وتلِك المكانة المَرمُوقة التي خصَّهم الله بِها دون الخلائق ، ذلك بأن يكونَ مِنهُم وفيهِم، رسول الله وخَاتِم الأنبياء والرُسل سيدِنا مُحمَّدعليهِ الصلاة والسلام.

كيف لا والمُسلِمونَ بذلك قد تم إكرامهم من قِبل الله الواحد القهار غاية الكرم ، وأعزَّهُم وميَّزهُم الخالق عن كامل خلقِه گل العِزَّة والتميُّز، وذلك بتكلِيفهِم مِن قِبل الله العزيز القدير ورسولهِ الأمين بِحَمِل الأمانة ونقل الرسالة بكُلِ صِدقٍ ووفاَء للبَشَرية جَمعاء ، كي لا يكون الناسِ على الله ځجة من بعد الرًسل أو من بعدِ الكُتب أو النُذُر، هذهِ الأمانة و الرسالة المتمثلة في الرحمَّة العظيمة المُهدَاة للبشر أجمعين والموجودة في الكِتاب الحَكيم وهو القرآنُ الكَريم وسُنَّة نبيهِ الُمصطفى الأمين .

كما جاء في قول العزيز الحكيم من سورة النساء الآية 165:

( رُسُلًا مُبَشِّرِينَ وَمُنْذِرِينَ لِئَلَّا يَكُونَ لِلنَّاسِ عَلَى اللَّهِ حُجَّةٌ بَعْدَ الرُّسُلِ ۚ وَكَانَ اللَّهُ عَزِيزًا حَكِيمًا ﴿١٦٥﴾)

وبما أنَّ المُسلِمين هُم أحفاد خَاتَّم النَبيين المُصطفى الأمين فهُم بذلك ورّثَة رِسالَتِهِ، والمُستأمَنون على وصيَّتِهِ ، والمُبشِرينَ بجنَّةِ النَعيم لِعباد الله المُخلَصين ، وهُم أيضاً المُنذِرين بالجَحيم والعَذابِ الأليم للكافِرين بأنعُم الله وفضلِه على العَالمين . وذلك لِما هُم فيهِ مِن عزَّة وشَرفٍ عظيميَّن.

أمَّا السؤال الذي يَطرحُ نفسَهُ هُنا هو: أين المُسلمين من هذا كله وذاك؟

فهل هُم كمُسلمين فعلاً أعزَّاء ؟ أو كمؤمِنين فعلاً شرفاء؟

وما هو مِقياس العِزَّة والشَرف في الوقتِ الحَاضِر يا تُرى؟

كي نُجيب على هذهِ الأسئِلة بِصدقٍ وإخلاص علينا أولاً بِمُصارحة أنفُسِنا، فبفَضل الله يمتلك السلمون ذلك الشيء الذي يبحث عنهُ الناس أجَمَعين، ألا وهو العِلم الخَالص النقي والمُطلق الموجود في القُرآن الكريم، فلماذا يلهَثون وراء عِلوم وضعية دنيوية بحتَّة ؟ مضحين بذلك بالغالي والنفيس من مال ودین وعِزَّة وشَرف، ليصبَح المُسلم عالة على الكافر ومعتمداً عليهِ في كل شيءٍ ونقُصد بِذلك المَلبَس والمَأكل والمشرَّب وحتى في المبيت والعمل، مع انَّهُم يعلمون جيدة بأنَّ ذلِك العِلم الربَّاني يُغنِينا عن كل هذا، خصوصاً وهو مَدعُوم بما جَاءَ في الكُتُب السَماوية الأُخرى ، ومؤيَّد من جميع الرُسُل والأنبياءِ، وبِأنَّ هَذا العِلم المُطلق المُتميز عن غيرهِ من العُلوم الوضعية غير القابل للتعديل أو التطوير هو خاص بنا كمسلمين فقط، ولا يمنعُنا شيءٍ مِن الاستِفادة منهُ سُوى أن نفتح عُقولنا للعِلم والنور، وأن نُصفِّي قُلوبِنا من الغِل لبعضِنا بعضا، ونُخلِص النيَّة للهِ الواحِد القهَّار .

لأن المُسلمين في النِهاية هم الوحيدون مِن بني البشر الذين يستحقون ذلك الخير بسبب كونَهُم المُوحدين لله الواحد القهَّار حق وحدانيَّته ، وهُم أيضاً الوحيدون من بينِ خلقهِ المُمارِسون لدينِهِ الحَق على الأرض ، إتِّباعاً لأمرِ الله عزَّ وجَّل في قولهِ تَعالى مِن سُورة آل عمران الآية 85 :

( وَمَنْ يَبْتَغِ غَيْرَ الْإِسْلَامِ دِينًا فَلَنْ يُقْبَلَ مِنْهُ وَهُوَ فِي الْآخِرَةِ مِنَ الْخَاسِرِينَ ﴿٨٥﴾).

فبهذهِ الحَالة يكونُ تَفضَّل الله علينا بِذلك العِلم المُطلق قد جاء نتيجة إستحقاق وأولوية ، كوننا الوحيدون المؤمنون بالله وبوحدانيَّتهِ مِن بين الخلائِق أجمعين، هَذا من ناحية.

أمَّا مِن ناحية أُخرى فلأنَّنا مُسلمون، نمتلك الشَرف العَظيم بين الأُمم بأنَّنا خيرُ أمَّة أُخرِجت للناسِ وبأنَّ فيها المُصطَفى عليهِ الصَلاة والسلام، وهو الرَّحمة المُهداة للناسِ أجمعين.

وعليهِ فكُلِّ مُقوماتِ العزَّة التي يمنحُها القُرآن الكَريم موجودة بين أيدينا، نقرؤها ونسمعُها

وندرُسُها كلَّ يوم ، ولكن – و يا للأسف - قراءتنا لآيات الله ولعلمه وسماعنا لها تتم بعقول مشغولة بالكسبِ والتَحصيل، وبقلوبٍ مُلِئت بحُبِ المال والبنين، وبِعيونٍ تنظُر وتَتطلَّع إلى ما متَّع الله بهِ القومِ الضَّالين والكافِرين.

ونتيجةِ لِذلك أضحينا كعزیزِ قومٍ ذَل ، فبعد أن كان من المفروض أن نسودَ بعلومِ القُرآن أصبحنا عبيداً بعلومِ الكُفَّار، وذلك بالرغمِ مِن أنَّ مقوماتِ الشَرف والرِفعة التي نحتاجها هي موجودة فينا كمسلمين، حيث نجدُها في نسبِنا ودمِنا الذي فيه نفحة من النبوَّةِ الطاهِرة السَمحاء.

لكننا بحاجة إلى وعي وفِهم الأمور على حقيقتها كي نستحقَّ هذا الشرف العظيم ، وكذلك لعقلِ طاهر ونقي بتقبَّل كل ما هو صالِح ونَظيف ، ليكون بعدها خالٍ من جميع الشوائب الدنيوية، وحينها فقط نستطيع أن نُدرك القيمة الحقيقية لوجودنا، فنتعامل ونعيش مع الآخرين على أساس من العدل والإنصاف والحرية التي يكفلُها لنا الإسلام ويضمنها لنا الخالِق القهَّار.

وعليهِ فمِن مُنطلق السعي لتطهير الأنفًس من دَنَسِ الدُنيا لتنال نَعيم الآخرة ، كان هذا الكتاب ، فحقيقة عِلم الكتاب تتجلی بحقيقة عِلم الله الذي وسع علمهُ كل شيء على الاطلاق .

مِن كِتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) صفحة 011-013

تأليف: محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)