حقيقة دور المسلم في محيطه

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
141
الإعجابات
116
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حقيقة دور المسلم في محيطه

مما لا شك فيه أنَّ عَقلَ الإِنسان المُؤمِن في الوقتِ الحَاضِر مُؤهَّل وقَادِر على إِستيعاب وفَهم أُمورٍ كَثيرة، رُبَّما كَان فِهمُها يَصعب على أَسلافِهِ الَّذينَ سَبقوهُ في الإيمان، وذَلك نَتيجَةً لِما فَتَح اللهُ على النَّاسِ مِن تَنوِّع كَبير في مُسبِباتِ الرِزق ومَصادِر المَعرِفة، وهَذا مَا يَدفعُنا هُنا للإلحَاح على دراسةِ آياتِ اللهِ بِجديَّةٍ أَكثَر، و بِإسلوبٍ يَختَلِف تَماماً عمَّا عهِدناهُ في السَّابِق ، وهَذا يَعود لِسَبَبين رَئِيسيَّن:

أوَلَهُما كَي يَتسنَّى لَنا الإستِفَادَة بِصورَة أَكبَر وأَعَم مِن تِلكَ العِلوم المَوجُودَة بِكِتابِ اللهِ العَزيز في حَياتِنا اليَومية وذَلِكَ لِحاجَتِنا الماسَّة إلى قَاعِدة صَلِبة ومَتينَة نَقِف عَليهَا ونَقيس الأُمور على أَساسِها.

ثانياً ليسَ هُناكَ مَا يَمنَّع مِن المُحاوَلَة لِدِرَاسَة وفِهم السُوَّر والآيات القُرآنية بإسلوبٍ يَختلِف عمَّا عهِدنَاهُ وبِطريقَةٍ حَديثَة تَتنَاسَب وفِهمِنا لِتلكَ الآياتِ ولمُتطلبات العَصرِ الذي نعيشُ فيهِ ، كي نَتمكَّن بالتَالي مِن إستِخلاص الحَقائِق العِلمية التي تُفيدُنا، والتي بدورِها تَعمَل عَلى تَوفِير الحُلول الجَذريَّة لِلمَشاكِل الَّتي تُواجهُهَا الإِنسانية عَن طَريقِ تَطبِيقِها بِصورَة عِمَليَّة على أرضِ الواقِع ، فيَتِم بَعد ذَلِك تَسخِيرُها لِخدمَتِنا وتَسهيلِ أُمورِ المُسلِمينَ الفِكريَّة والعَمَليَّة .

فالسُؤال الَّذي يُطرَح مِن قِبل المُسلِمين هو لِماذَا يتَحتَّم عليهِم أن يَكتَفوا بالوَعظِ والإِرشَاد فَقط بِما يَخُص الدِين ؟

ولماذا يَجِدونَ أنفُسِهِم على الدوام في حَاجة للدِفاع عَن دِينِهم أَمام الأفكار الغَربية ؟ وذلك عن طريقِ دفعِ المُسلِمِينَ لِتَبرِيرِ مَا يَتوصَّلونَ إليهِ الكُفُّار مِن عُلومٍ وَضعيَّة ومَا يَكتَشِفونَهُ مِن أَساليب تِقَنيَّة لِجَعلِهِ يَتناسَب والدين الذي يُؤمِنونَ بِهِ .

ولماذا لا نَكونُ نَحنُ السبَّاقونَ لِلخَيرِ والصَلاح، والسَبَّاقونَ أيضاً للعِلمِ والمَعرِفة الَّتي يَبحثونَ عَنها الكُفَّار؟

فَلِكَي نُحقِّق ذَلك عَلينا أن نَتوقَّف أولاً عَن تَقليدِهِم في كُلِّ شيءٍ يَفعلوهُ، على أن نأخُذ فَقط مَا نَحنُ بحِاجَة إِليهِ فِعلاً ليُساعِدَنا ذَلكَ في تَحقيقِ مَا نَصبوا إليهِ مِن خَيرٍ ومَحبَّة للإنسانَّية جَمعاء، ثمَّ نُواصِل العَمل عَلى ضَوء مَا نَمتَلِك مِن كُنوزٍ عِلمية ومَفاهِیم حَقيقيَّة مَوجُودَة في دِينِنا وفي نُفوسِنا المُؤمِنة لِنتمكَّن بَعدَها مِن التَوصُّل إلى مَا نَصبوا إليهِ.

وإنَّنا لَنَرى ونُقدِّر مَدى حَاجَة الإنسان المُؤمِن المَاسَّة إلى الوَسائِل العِلمِيَّة والعَمَليَّة لِيُواجِه تحديات الكُفَّار في أَفكارِهِم وعُلومِهِم، ولِكَونَ هذهِ الوَسائِل تُساهِم بِشكلٍ أو بِآخَر في حَل مَشاكِل الإنسان التي تواجِهَهُ مِن خِلال مُمارَستِهِ لِحيَّاتِهِ الطَبيعية على الأَرضِ، والَّتي مِن شَأنِهَا أَن تُقلِل مِن مُعانَاتِهِ فِي تَوفِير مُتطلَّباتِ العَصرِ الحَديث مِن تَقنياتٍ ورَفَاهِيَّةٍ مُستَحدثَة، مِمَّا أدَّى بِطَبيعةِ الحَال إلى تَولُّد تِلك القَناعَة الخَاطِئَة لَدى عُمومِ النَّاسِ، بأنَّ حَاجَة الإِنسان الحَالي إلى التَكنَولوجيا العَصرية هِي أَكثر مِن حَاجَتِهِ إلى الدينِ والإرشَاد، وعَليهِ كانَ لِزامٌ عَلینا طَرح البَدائِل الحَقيقيَّة لِلنَّاس.

فالتكنَولوجِيا مَا هِيَّ إلا عِبارَة عَن التَقنَّية الَّتي يَستَخدِمُها الإِنسانَ في تَحقيقِ عَملٍ مَا، والتَقنيَّة بِمفهومِهَا المُبسَّط هِي وَصفٌ لِمحاوَلة الإِنسان تَوفير جُهدِهِ العَضَلي والفِكري الُمستَخَّدم فِي تَحقيقِ غَايةٍ مَا عَن َطريقِ التَحوير لِصوَّرِ المَوادِ المُتوفِّرة مِن حَولِهِ لِجعلِهَا تَقوم بِما يَنوي فِعلهِ، بِمَعنَى أنًّهُ يُحاوِل أَن يُقنِّن ويُقلِّل مِن صَرفِهِ للمَجهُود العَضَلِي أو العَقلي المُستَخدَّم في نَشاطَاتِهِ اليَوميَّة بَأيِّ وَسِيلة كَانَت، لِذلِكَ فَهوَّ بِحاجَة لِلعِلم ِالمُسبَق بإِمكانَّية تَحقيقِ هَذا الهَدَف وبِهَذِهِ الطَريقَة، وإلا لَمَا حَاوَل إِستخدامِ تِلكَ التَقنَّية، أمَّا بِخُصوصِ مصدر عِلمِهِ المُسبَق هَذا فهوَ إمَّا أَن يَكونَ عَن دِراسَةٍ وتَحققِ أو عَن طَريقِ شَخصٍ آخرَ قَامَ بِتِلكَ الأعمالِ مِن قبلهِ.

مِن هُنا كَانَت الأَخلاق ضَروريَّة فِي تَحقيقِ هَذا الهَدف، وذَلك ليَّتِم نَقلِ المَعلوماتِ تِلكَ بِأَمَانَةٍ وإِخلاصٍ إلى المنتَفِع، وإلَّلا لَتمَّ تَجرُّعِ السُمَّ بإعتِبَارِهِ دَواءاً شَافٍ.

فكيفَ نَضمَنُ إذاً بانَّ ما نَستَخدِمَهُ مِن تَقنياتٍ غَربيةٍ هُو لِمنفَعَتِنا حقاً؟

ولِكَي نَضمَنُ حُسُنِ الخُلقِ هُنا كَانَ الدِينُ ضَرورياً، فالدِينُ بِشكلٍ عَام مَا هُو إلَّلا عِبارَة عَن إنتِماءٍ أَخلَاقِي حَقيقي نَابِع مِن الذَات البَشريَّة نَحوَ جِهَةٍ مُحدَّدة، فَإذا كَانَ الدِينُ هوَ الإسلام الَّذي يأمُرَنَا بالأمَانَةِ كانَت أَخلاقُنا حَميدَة، أمَّا مَن لا دِينَ لَهُ فَلا يُمكِن الوثُوقَ بِهِ ولا بِقولِهِ أو بِعَمَلِهِ.

وهُنا نَكونُ قَد وَصَلنا إلى الَطرف الأَخير مِنَ الحَل، وهيَّ المَرحَلَة الَّتي تَجعَلُ الإنسانَ يُراقِبُ نَفسَهُ بِنَفسِهِ ليَكونَ بِالنَتيِجَة المَسؤولَ الأولُ والأَخير على تَصرُفَاتِهِ ونَزَعَاتِهِ الشَخصيَّة وبِالتَالي عَلى أعمَالِهِ.

فدورِ المُجتَمَع والبِيئةِ هُنا يَتوقَّف فِي التَأثِيرِ عَليهِ أو مُراقبَتَهِ، فَكيفَ يُمكِنُ لأيٍّ كَان مَعرِفَة مَا في نَفسِ الطَرفِ الآخَرِ ومَا يَنوي فِعلَه ُ؟

مِن هُنا كَانَ وجُودِ الدِينَ ضَرورياً جِداً ومُلحَّاً في جَميعِ المُجتَمَعَاتِ، الحَديثة مِنهاَ والقَديمَة ومِن هُنا كَانَت حَقيقَة دورُ المُسلِم في مُحيطِه .


مِن كِتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) صفحة 050-051

تأليف: محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)