حقيقة الوضع الحالي للإنسان المعاصر

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
141
الإعجابات
116
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حقيقة الوضع الحالي للإنسان المعاصر

إنَّنا إذ نُحاول هُنا في هَذا الكِتاب العَمل على التَقريب بينَ المَفاهيم العِلمية المَطروحة حالياً وبين المفاهيم الدينية المتوارثة مِنذُ الأَزل ، نَأمل بِذلك في فَتح الباب بمِصراعيهِ والُّلجوء أو التوجُّه إلى الدين الحَنيف كَبديل وحِيد وَخيار أَخير، ليتم عن طريقهِ إستنباط العُلوم والمَفاهيم التي نحَتاجُها في تدبُّر حياتنُا كمُسلمين ، مما سَوف يُساهِم بدورهِ إن شاء الله في تحسين وتطوير الحياة البشرية ككُل، وبالإسلوب الذي يخدِم ويُلائِم البَشر كمخلوقات مِن بين الخلائِق ، وكجُزُء مُهم ومُتمِّيز مما خلق الله .

فلجوء الناس في النهاية إلى كُتب الله وأحكامهِ في بحثهِم عن الحقيقة يكاد أن يكون من المُسلمات ومن الضروريات المُلحَّة أيضاً، وذلك بِسبب تولُّد الحاجَة الماسَّة إلى حَسم العَديد مِن المَسائِل المعلَّقة بين البَشر لخطورة الوضِع الحَالي والَّذي يُهدد البَشرية بوجودِها واستقرارِها في هذهِ المرحلة التاريخية التي يمر فيها الإنسان عبر تاريخهِ الطويل المَليء بالِصراعات والنِزاعات الفَردية والجَماعية ، والتي في تكرارِها سَتكون العَاقبة وخِيمة للجَميع لتَشمِل الكائِنات الحيَّة بشكلٍ عَام، لِما ستُلحِقهُ الإشعاعات النووية المُدمِّرة والغازات السامة المُميتة على البيئة المُحيطة بِجميع المخلوقات، وما مأساة ما حَصل من حَرب نووية مدمِّرة في ناكازاكي الجزيرة اليابانية الصغيرة ، أو ما حَصل من عطبٍ في المفاعِل النووي بشارنوبیل والذي وبعد مرور العَديد مِن السِنين مازالت البشرية تُعاني من تِلك الآثار النووية المُشعة والسامَّة على مُحيط تلك المَناطِق .

لذلك كان سعيُنا للبحث والدِراسَة في هذا المَجال نتيجة لإدراكِنا ضَرورة إشباع طُموح وكذلك فُضول الإنسان للمعرِفة ، ولعدَم إمكانية وقف عَجلة الزمن وإعادَتِها إلى الوراء مما يضطرُّنا إلى ضَبط عَملية التَطور هذهِ مِن خِلال السعي لِمعرِفة المَزيد عن العُلوم الموجودة في القُرآن الكَريم، والذي تم تسميتُها هنا بعِلمِ الكِتاب ، تقيُّداً بِما جاءَ وَصف آیاتُ القرآنِ الكريمِ لهُ ، وليتِم جَمع جَميع العُلوم وحصرِها في إطارٍ واحدٍ مِن العِلم مما يسهِّل فهمها ودراستها.

فاللهُ سُبحانه وتَعالى هو الأعلم بِحال الخَلقِ وبِحال النَّاس وكذلك فسُبحانَه ُهو أدرى بحاجاتِ خلقِهِ وباللذي يُناسِبَهُم مِن علوم ومفاهيم لتعاصِرَهُم وتُرافِقَهُم في دربِهم وفي حياتِهم القَصيرة التي يعيشُونَها في دار الإختِبار على كوكبِ الأرض ، وذلك يتم كلٌّ وحسب المرحلة التي تمر فيها البَشرية ، مما يُفسِر ظُهور الكُتب المُرسَلة والأنَبياء في َمراحل مُختلِفة وفي أَزمان مُتفاوِتة ، ليتَرَافَق مَع مُستوى تَطوُّر مَفاهِيم ومَدارِك النَّاس في تِلك المَراحل، مِما يَمنَح تِلك العُلوم فاعِلية وحَيوية تَتناسَب و قُدرة الإنسان المُعاصِر على مواكِبَتِها وفهمِها بالصورة الصحيحة .

فالعُلوم الحَقيقية بجميع صُورِها كانَت ومَا زالَت مَوجودة في الكُتب السَماوية بِشَكلٍ عَام وفي القُرآن الكَريم بشكلٍ خَاص ، وذلِك مُنذ أن أرسلَها الله العَلي القَدير للعَالمين عَن طَريق رُسلهِ وأنبيائهِ الصَالِحين ، ولا يُلاحِظ المَرء أي إِختلاف بينِها مِن حَيث الفِكرة والمَضمون .

ويرجَع سَبب تغَيير الحُوار والُّلغة في مُعظمِها إلى تَغيير أُسلوب التَفكير لدى الإنسان وإلى

مَدى إتِّساع مَداركُهُ في إِستيعاب ما حولَهُ مِن أَحداث .

خيرُ مِثال على ذَلكَ هو مَا جَاء في مُحكم آياتِ اللهِ البينَات عَن الفائدِة العَظيمة والكَبيرة التي أوجَدَها الله في الحديد بشكلٍ خَاص وفي المَعادِن بشكلٍ عَام لقولهِ جلَّ وعلى في سورة الحديد الآية 25: ( لَقَدْ أَرْسَلْنَا رُسُلَنَا بِالْبَيِّنَاتِ وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)).

عندما نُتابِع تَسلسُل الأحداث الذي تُوحي إليهِ هذهِ الآية الكَريمة والَّتي تُعنَى بالعُلوم الإنسانية نُلاحظ في البِداية ذِكر مَجموعة الرُسل والأنبياء المُرسلَين من قبِل المَولى العَزيز القَدير مُرفقين بالبينات أي بالدلائِل الواضِحة والعُلوم الحَقيقية ذات الفائِدة العَظيمة لبَني البَشر، فكلِمة بيِّنات جَاءَت للتَأكيد على مَفهُوم العُلوم البيَّنة أي الواضِحة والمَفهُومة لَدى الجَميع ، فكُل مَا هو بَيِّنَ للناس يَكون ذا فائِدة عَظيمة لهُم وإلا لَما سَعَوا جَاهدين لإستبيانِهِ .

ثُمَّ جَاء قَولِهِ ( وَأَنزَلْنَا مَعَهُمُ الْكِتَابَ ) فَجاءَ ذِكرُ الكِتاب هُنا للدَلالة على تَدوين هذهِ العُلوم البيِّنة في صُحُفٍ كَريمة مُطهَّرة ليتحقق بِها العَدل والمُساواة بينَ النَّاس لِقولهِ ( وَالْمِيزَانَ لِيَقُومَ النَّاسُ بِالْقِسْطِ ۖ ) إذاً فالعُلومِ الدِينية ما كَانت لِتُرسَل إللا لِتحقيقِ العَدل والمُساواةِ بينَ الناس وذلك عن طَريق كَشفِها لأسرار الطَبيعة ، مما يُتيح للبَشر فُرصة التَمتُّع بما توهِبَهُ الطَبيعة لهُم مِن خَيراتٍ كامِنَة فِي بَاطِن الأَرض وكَمِثال على ذلكَ جَاء ذِكر الحَديد لِقولِهِ تَعالى ( وَأَنزَلْنَا الْحَدِيدَ فِيهِ بَأْسٌ شَدِيدٌ وَمَنَافِعُ لِلنَّاسِ ) فهُنا تمَّ إعطاء وَصفٌ حَقيقي لطبيعة الحَديد الصَلِبة والقَاسِية أي إنَّ بأسَهُ شَدید وهي الميِّزَة الَّتي جَعلت النَّاس ينتَفِعونَ بِخصائِصهِ تِلك ، ولا يَخفى على أحدٍ بأنَّ بِدايَة الثَورَة الصِناعية مَا كَانت لتَتِم لولا التوسُّع الهَائِل في إستخدام هذهِ المَادَّة بِمعنى أن هذهِ المادَة كَانت مُفتاح التَطوُّر الكَبير الحَاصِل حالياً ، فلَم يأتِ ذِكر الحَديد تَحديداً في هذهِ الآية مِن غيرِ سَبب ، وعلى الرَغمِ مِن ذَلك فَلم يَكُن الإنسان حينَها قادراً على إستيعابِ أو فَهم مَدى الفَائِدة الكَبيرة الَّتي يُمكن أن يَجنيها مِن وَراء ذَلك المَعدن ، وقد إكتَفى حِينئِذ بإتِّباع الإسلوب التقليدي في التَعامُل مَع هذه المَادَّة والمُتَمثِّل بِصناعة السِيوف والمَتاريس الحَربية وغير ذلك من الأساليب البِدائية .

إذاً فالحديد كانَ نُقطة الإنطلاق بالنِسبة للتَطور الصِناعي والعِلمي القَائم حَالياً ، والَّذي تَمَّ عَلى أَساسَهُ التَطُّور في العِمران وفي الصِناعات المُختلفة ، ولو لم يَتِم إِعطاء الإنسان هذهِ المَعلومة سابقاً لمَا فَكَّر الإنسان أبدأ بهذهِ المَادة ولَما تَوصَّل في النِهاية إلى مَا هو عليهِ الآن مِن خَير ورفاهية .

فبدلاً مِن أن يَتمِ شُكر الله العليم الخَبير على ما تفضَّل بهِ مِن نِعمٍ لا تحُصى ولا تُعد ، كالعِلوم والمَفاهِيم الخَاصَّة بالحَديد بِشكلٍ خَاص والَّتي أدَّت إلى التوسُّع في مَعرِفته للمَواد بشكلٍ عَام، . جَحَدَ فَضلُ اللهِ عليهِ ، وهَذا لم يَكُن مُفاجِئاً لقولهِ تَعالى في ذَات الآية الكريمة ( وَلِيَعْلَمَ اللَّهُ مَن يَنصُرُهُ وَرُسُلَهُ بِالْغَيْبِ ۚ إِنَّ اللَّهَ قَوِيٌّ عَزِيزٌ (25)) فقولًهُ تَعالى هُنا ( وَلِيَعْلَمَ ) جاءَت لِتُذكِّر الإنسان بِمعرِفَة اللهِ المُسبَقَة بِالجِحُود ونُكرَان الفَضل الذي سيحدُث مِن قِبَل الإنسان نَتيجة هذا الخير العَظيم، ولكن المُهِم في الأَمر هُنا هو مَعرِفَة مَن يَنصُر اللهَ في هَذا الوَقت ويَذكُر فَضلُه على العَالمين عَن طَريق يَقينَهُ بِحقيقة تِلك العُلوم الموهُوبة مِن الله جلَّت قُدرته، فلِذلك جَاء لَفظ ( بِالْغَيْبِ ) أي عن طريق الدَليل العِلمي والفِكري الحَقيقي ولَيسَ الحِسي ، ولَن يُضير اللهَ سُبحانَهُ جُحود الكُفَّار لِفضلِهِ لأنَّ اللهَ يَبقى دائماً هو العَزيز القَدير.

هذا مِثال عَملي نَعيشَهُ اليوم بِكلِّ مَعانيه، ويوضِّح لَنا مَدى تَمكُّن العُلوم المَوجودة في القرآن على خِدمة الإنسانية جَمعاء ، خصوصاً عِندما نَجتهِد في دِراستها ومُحاوَلة فَهمِهَا بالصورة

الصَحيحَة، لِنستوعِب مَدى تَمكُنِها مِن تَوفير الحَياة السَعيدة والمُطمئِنَّة لَنا وللأجيال من بعدِنا .

فمِن تِلك العُلوم القُرآنية التي لَم تَأخُذ حَقَّها في الدِراسة والتَمحيص هِي مَا يتمُّ عَن طَريقِها

حَالية شِفاء المُرضى بالرُقي أو بِقراءَة آياتٍ مُحدَّدة، وهَذا الأمر لَم يَعُد ليَخفَى على أحدٍ ، ولقد سجَّلَ نجاحاً كبيراً في عِلاج الَكثير مِن الحالات الُمستعصية على عُلومِ الطِب البَشري الحَالية ، ولو إنَّهُ يَصعب الإعتِرافِ بِهذَا الأَمر من قِبل أَنصار الطِب البَشري التَقليدي الَّذين إكتَسَبوا أَغلب عِلومِهِم على أيدي الكفُّار مِن النَّاس، لِذلِك فهُم لا يُريدون أن يُقرُّوا بأنَّ الله قادرٌ على كل شيء، وبالتالي فسواءٌ كانَ شِفاء المُرضَى بالطُرق التَقليدية أم عَن طَريقِ القُرآن فَذلك كلَّه شأنُ اللهِ وحدهُ، بل هُناك مِن المُرضى مَن يُعالجُونَ مِن أمراضِهِم دونَ الَّلجوء إلى هذا الشخص أو ذاك، هكذا برحمةِ الله ِوحدهُ ، والذي يَصعَب تَصديقه بالنِسبةِ لَنا كمسلمين هو قُدرة الإنسان على شِفاء الُمرضى دونَ الرُجوع إلى الله الخَالِق الشَافي ودُون الحاجَة إلى رحمةِ الله .

أما الَّذينَ يدَّعونَ ويُصرُّون على مَقدِرَتِهِم في تَحقيقِ ذَلك، فَدَعهُم لا يَمرِضونَ أو لا يَموتُون َ

أبداً.

وبِخصوصِ الطَريقة الرُوحية تِلك والتي تُساعد على تَخليص الإنسان مِن بَعضِ آلامِهِ ، والمَدعُّوة بالعِلاج عَن طَريق القُرآن ، فإنَّها تُركِّز على العِلاج الرُوحي ، وهُناك مَن يَصفَهُ العِلاج بِالطَّاقة ، أمَّا الذي يَهِمُّنَا هُنا فهو إسلوبِ العِلاج وكَذلك الكَيفية الَّتي يَتم بِها ، وسوف نَتطرَّق إلى هذا المَوضوع بالتَفصيل لاحقاً إن شاء الله مِن خِلال مُتابعتِنا لِشرحِ المَواضِيع المُدرَجَة في هَذا الكِتاب .

وعليهِ فحقِيقَة الَوضع الحَالي للإنسان المُعاصِر تتلخَّص بِحاجَتِهِ المّاسَّة والأكيدة للبدائِل الفعَّالة

التي تُنجِدَهُ مِما هو فيهِ مِن توجُّه نَحو تَدمير الذَات وتَدمير كُل ما هو جَميل وخَيِّر في النَفس البَشرية، ولَن يَجد هَذا البَدَيل سُوى في عِلم الكِتاب وحدَهُ. واللهُ يعلَمُ الغيب والناسُ لا يَعلمون.

مِن كِتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) صفحة 042-045

تأليف: محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)