حقيقة القدرات الخارقة لدى الإنسان

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
101
الإعجابات
105
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حقيقة القدرات الخارقة لدى الإنسان

لقد حدَّثنا القرآن الكريم عن أنبياء ورسل (من البشر) إستطاعوا أن يخلقوا ويحيوا ويميتوا بإذن الله وكذلك عن قدرتهِم بأن يُسخَّروا المادة وما غير ذلك لتكون في خدمتهِم بإذن الله، وهذا هو ما كان يُطلق عليه (معجزات ) أو بالقوة الخارقة، فكل ذلك بمقدور البشر جميعاً فعلهُ شريطة أن يأذن الله لهُم بذلك فقط.

من هُنا إقتضت الضرورة بأن يُعامل الإنسان من قِبل الله العزيز القدير وملائكنهُ ورُسلهُ بطريقة خاصة جداً، وبناءاً عليهِ كانت مشيئة المولى بأن يجتاز الإنسان عِدَّة مراحل مُهِمَّة في حياتهِ، كان أولها ما حدث لسيدنا آدم وزوجهُ عليهِما السلام وذلك بعد خلقهِما مُباشرة (سجود الملائكة لهُم وتعليمهم من الله الخالق مُباشرة ومعيشتهما في الجنَّة وغير ذلك كثير مما يتطلب وجود القوة الخارقة فيهِم)، مروراً بأنبياء الله على الأرض (تمثلت قوة الأنبياء الخارقة فمنهُم من صنع سفينة جبارة لوحده ومنهم من سخر الجن بأمره ومنهم من أحيى الموتى أو شق البحر وغيرها كثير وكلها قدرات خارقة) ونهاية بيوم القيامة ( وعندها يُكرم المرء بقوى خارقة تؤهلهُ ليسكن الجِنة التي عرضها السموات والأرض أو يُهان فتُسلب قواه فيستسلم لجحيم حهنَّم)، فهذهِ كلها مراحل تمَّ الإعداد والتخطيط لها من قِبل المولى عزَّ وجل مُسبقاً وذلك لتحقيق عِدة أهداف والله أعلم.

من هذهِ الأهداف أن يفهم الإنسان وضعهُ جيداً كونهُ عبدُ مميز من بين عبيد الله وذلك حين إصطفاه وفضَّله على الخلق أجمعين وميَّزهُ بنفخة من روحهِ سُبحانه، لذلك هو أفضل الخلق جميعاً (لإمتلاكهِ قوى خارقة لا يملكها غيرهُ من مخلوقات الله)، وهو بذلك مُفضَّل على الجِن والملائكة دون شك، وليس لأحٍدٍ من سلطان على الإنسان إلا الله سُبحانهُ، فليس الجِن ولا الشياطين ولا الملائكة لهُم أي سلطة على الإنسان.

ما سبق من كلام إنما هو موثق بآيات من الذكر الحكيم نجدها في سورة الأعراف الآية 140: ( قَالَ أَغَيْرَ اللَّهِ أَبْغِيكُمْ إِلَٰهًا وَهُوَ فَضَّلَكُمْ عَلَى الْعَالَمِينَ (140)).

ومن حيث أنَّ الإنسان أكرم وأفضل بل وأقوى من الجِن والشياطين، فقد جاء في الكتاب الحكيم من سورة الإسراء قول الشيطان الرجيم (قَالَ أَرَأَيْتَكَ هَٰذَا الَّذِي كَرَّمْتَ عَلَيَّ لَئِنْ أَخَّرْتَنِ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ إِلَّا قَلِيلًا (62)، حيث نرى هُنا أنَّهُ لا سُلطان للجِن إطلاقاً على الإنس من عباد الرحمن المُخلصين لا من قريب ولا من بعيد، (حيث جاء مصطلح (لَأَحْتَنِكَنَّ ذُرِّيَّتَهُ) بمعنى أنَّ الشيطان اللعين سوف يستعين بالحِنكة مع ذرية آدم أي بالمكر والخديعة ولا شيء غير ذلك).

وذلك كما جاء في قولهِ تعالى من سورة النحل الآيات 98-100: (فَإِذا قَرَأْتَ الْقُرْآنَ فَاسْتَعِذْ بِاللَّهِ مِنَ الشَّيْطانِ الرَّجِيمِ (98) إِنَّهُ لَيْسَ لَهُ سُلْطانٌ عَلَى الَّذِينَ آمَنُوا وَعَلى رَبِّهِمْ يَتَوَكَّلُونَ (99) إِنَّما سُلْطانُهُ عَلَى الَّذِينَ يَتَوَلَّوْنَهُ وَالَّذِينَ هُمْ بِهِ مُشْرِكُونَ (100)).

أو كقولهِ تعالى في سورة الإسراء الآية 65: (إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ ۚ وَكَفَىٰ بِرَبِّكَ وَكِيلًا (65)).

وكما جاء في قولهِ سُبحانهُ من سورة الحجر الآيات 41،42: (قَالَ هَٰذَا صِرَاطٌ عَلَيَّ مُسْتَقِيمٌ (41) إِنَّ عِبَادِي لَيْسَ لَكَ عَلَيْهِمْ سُلْطَانٌ إِلَّا مَنِ اتَّبَعَكَ مِنَ الْغَاوِينَ (42)).

وفي قولهِ جلَّ وعلا من سورة إبراهيم الآية 22: (وَقَالَ الشَّيْطَانُ لَمَّا قُضِيَ الْأَمْرُ إِنَّ اللَّهَ وَعَدَكُمْ وَعْدَ الْحَقِّ وَوَعَدتُّكُمْ فَأَخْلَفْتُكُمْ ۖ وَمَا كَانَ لِيَ عَلَيْكُم مِّن سُلْطَانٍ إِلَّا أَن دَعَوْتُكُمْ فَاسْتَجَبْتُمْ لِي ۖ فَلَا تَلُومُونِي وَلُومُوا أَنفُسَكُم ۖ مَّا أَنَا بِمُصْرِخِكُمْ وَمَا أَنتُم بِمُصْرِخِيَّ ۖ إِنِّي كَفَرْتُ بِمَا أَشْرَكْتُمُونِ مِن قَبْلُ ۗ إِنَّ الظَّالِمِينَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ (22)).

فمن الطبيعي أن يكون سُلطة الشياطين (حنكتهُم ومكرهُم وخديعتهُم)على من إتبعوهُم من الغاوين وذلك يتم عن طريق دعوتهِ لهُم ليستجيبوا لهُ فإستجابوا، بالرغم من كونهُم في الأصل أحرار ومؤمنين بالله بالفطرة أي منذ الولادة ولا سُلطان للجن عليهِم أبداً إلا إذا رغبوا هُم أصلاً بأن يتسلط عليهِم.

وبخصوص ما حدث لسيدنا آدم عليه السلام من فعل الشطان إنما كانت خِطَّة للإيقاع بهِ أي بالشيطان وبمن معهُ ليكشفهُم الله العزيز القدير على حقيقتهِم أمام الخلق أجمعين بما يحملوه من غُلٍّ وحقد على الإنسان بسبب إختيار الله لهُ دوناً عن الخلق أجمعين، فالله جلَّ وعلا يعلم الغيب ويعلم ما في قلوب الشياطين من غِل وحقد على بني الإنسان، كما جاء في قولهِ تعالى من سورة الأنبياء 110-111: (إِنَّهُ يَعْلَمُ الْجَهْرَ مِنَ الْقَوْلِ وَيَعْلَمُ مَا تَكْتُمُونَ (110) وَإِنْ أَدْرِي لَعَلَّهُ فِتْنَةٌ لَكُمْ وَمَتَاعٌ إِلَى حِينٍ(111)).

أو كما جاء في الذكر الحكيم من سورة الحِجر : (قَالَ رَبِّ بِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأُزَيِّنَنَّ لَهُمْ فِي الْأَرْضِ وَلَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ (39) إِلَّا عِبَادَكَ مِنْهُمُ الْمُخْلَصِينَ (40))، فوجود الإنسان الأول في الجنَّة ما هو إلا فِتنة للشيطان الرجيم، ووجود الإنسان على الأرض فتنة لأعوانهِ من بني الإنس والجن، فقد علم الله سُبحانهُ بهِم مُسبقاً فأقتضى فضحهِم وكشفهِم وبالتالي معاقبتهِم أجمعين.

وعَلِمَ الله العزيز القدير كذلك بالنفوس الضعيفة لدى بعض بني البشر، فشاءت رغبتهُ سُبحانه في تثبيت عقيدة المؤمنين منهُم وتعزيز إيمانهِم بمعرفتهِم للمصير الذي سيؤول إليهِ الكافرون والمنافقين من أعوان الشياطين.

هذهِ الأهداف وغيرها جميعاً قد لا نعلمها ولكن يعلمها الله وحدهُ إنما تتحقق من خلال وجودنا على الأرض فقط ، حيث نجد تأكيد قولِنا هذا في سورة العنكبوت الآيات 1و2: (الم (1) أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ (2))، فلن يكتفي الخالق سُبحانهُ بقول بعض الناس بأنَّهُم مؤمنون دون أن يمتحن إيمانهِم وإخلاصهِم لله.

هذا ما يقتضيه عدل الله في خلقهِ، فهو مع علمهِ المُسبق بالفاسقين والكفرة المُلحدين إرتضى أن يؤجلهُم إلى أجلٍ مُسمى ليكون حُجَّة عليهِم وسبباً وجيهاً لِمُعاقبتهِم وجعل جهنَّم مثوى لهُم، فهُم بذلك من أصحاب السعير.

وهذا قد يكون أحد أهداف أو حكمة الخالق العزيز في خلقهِ، والعلم يبقى عِندهُ وحده سُبحانه جلَّ شأنَّهُ.

فأصحاب السعير هُم أيضاً خلق من خلق الله تماماً كأصحاب الجنَّة، وكما كانت الجنَّة مقر المُتقين من عباد الله المُخلصين الصالحين، كانت النار مثوى المُتكبرين الكفرة الفاجرين من خلق الله إنساً كانوا أم شياطين.

في هذهِ الحالة تكون الجنَّة والنار عبارة عن مكان ثواب وعِقاب لكل من خلق الله وليس القصد منها التفريق بين خلق الله، فالله عليم ومحيط بكل شيء وهو علاًم الغيوب، لذلك فالمولى العزيز القدير ليس بحاجة للجوء إلى أساليب معينة ليفرز هذا عن ذاك، وما قولهُ تعالى في سورة الصافات الآيات 170-173: (فَكَفَرُوا بِهِ ۖ فَسَوْفَ يَعْلَمُونَ (170) وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ (171) إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنصُورُونَ (172) وَإِنَّ جُندَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ (173))، إلا تأكيداً على حسم النزاع المُسبق بين الكافر والمؤمن في الأرض، فلا يحتاج المؤمن أن يشُك بنصرهِ على الكافر ولا يحق للكافر أن يظن للحظة بأنَّهُ قادر في التغلب على جُند الله المُخلصين ولو بعد حين.

من كتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية – الجزء الأول) صفحة 156

تأليف : محمد "محمد سليم الكاظمي (المقدسي).