حقيقة الفكر والعلم السماوي

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
141
الإعجابات
116
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
حقيقة الفكر والعلم السماوي

إننا لا نشك للحظة بأحقية كِتاب الله الموثَّق بِسُنَّة رَسولهِ ليَتصدَّر موقِع الريَّادة والصَدارة نحو توفير حلول جَذرية وآمنة لجميع التحديات التي تتعرض لها شعوبِنا الإنسانية ، وأن يكون من ضِمن أولَوياتهِ تَوفِير البَدائِل الفِكرية والعِلمية في سَبيل تَحقيق السعادة والرُقي الحَقيقيين لدى المُجتَمعات البَشرية، وذلك يعود لِتَبني الله سُبحانه مَسؤولية خَلق الإنسان وتَكليفه بِتِلك المَهام .

ولَن نَجِد بديلاً عَن الكُتب السماوية ولا عن سيرة الأنبياء والرُسل الصَالحين لتحقيق هذه الغاية النبيلة، مهما جهِدنا في تحقيقِ ذلِك، ولسبب بَسيط ألا وَهو ضَرورة وجود المَصدر الذي سبَّبَ الأسباب ليُكمل بِذلك الطَرف الرئيسي مِن المُعادَلة .

أمَّا المُعادلة فهي : الله، الكتاب، الإنسان.

أمَّا شرحُها فهو كالتالي، الله هو أصلُ كُلِ شيء، أمَّا الكتاب ففيه عِلمُ كُلِ شيء بِسبب كَونَه

كِتاب الله الخاص بهِ وبعلمهِ، ثُمَّ يأتي بعدَها الإنسان وهو الجهة المعنية بالأحداث والتطورات، لحكمة أرادَها اللهُ سُبحانَهُ وهي خاصة بهِ وحدَه جلَّت قُدرته .

فَطبيعة الإنسان غير المُستقلِّة لا تؤهِلَهُ لِخَوض ومُواجَهة المَصاعب بمُفردِهِ، وبِالتالي فوجود جهة محدَّدة تتمتع بصِفة الاستقلالية والحُرية المُطلقة بإتخاذ القرارات وإصدار التوجيهات والتشريعات يصبَح مِن الحتميات وهذا ما يَطرَحَهُ القُرآن الكَريم وماتؤيدَهُ الكُتب السَماوية الأُخرى وما نتلمسهُ في سُنَّة نَبينا المُصطفى صَلوات اللهِ وسَلامَهُ عَليه.

وهذا يقودُنا بِطبيعة الحَال إلى القناعَة المُطلقة بأنَّنا وعن طريقِهما فَقط، أي الكِتاب والسُنَّة، سوف نتمكن من إعطاء تفسير منطقي وحقيقي وبالتالي نهائي لما يجول في خاطِرنا مِن شُكوك وأوهام حول طبيعة وجودِنا كَبشر وأصل عِلومِنا وشرعية مفاهِيمُنا، وذلك لكونِهِما مَبنيان على أُسس وَطيدة وراسِخة في تاريخ الحَضارة البَشرية ، ولكونِهِما أيضاً سَاهما ولم يَزالا في تَوطيد دعائِم الفِكر الإنساني عن طريق رفدهِ بِعلوم إنسانية وأخلاقية كالفِقه والشَريعة، حتى تُساعد الإنسان بالتالي على الفِهم الصَحيح لِجميع الحَقائق العِلمية التي توَّصل إليها مِن خِلال مُمارستِهِ لحياتِهِ ونشاطاتِهِ على كوكب الأرض، وذلِك على أساس مِن العَقيدة والفِكر الإسلامي الصحيح.

عندها فقط نكون قد سيطرنا على عِلمنا الذي هو عِصمَت أمرِنا وعلى حياتِنا التي فيها معاشُنا، وأنرنا بهِ دَربَنا ، وعَزَمنا أمرَنا ، وجهَّزنا أنفُسنا لمُلاقاة ربِنا يومَ لا يَنفعُ لا مالٌ ولا بنُون إلا مَن أتى اللهَ بقلبٍ سَليمٍ ، وتَمكنَّا في الوقتِ نَفسَهُ مِن أن ننتقل بعقيدتنا وديننا الإسلامي الحنيف ، من موقع الدِفاع الضَعيف إلى موقِف الهُجوم القَوي .

عسانا بِذلك أن نتمكَّن مِن تدارُك ما أصاب الأمَّة الإسلامية مِن وهن ورضُوخ وتَردِّي ، والذي شَمل كَافة مَجالات الحياة التي نعيشُها كمُسلمِين ، لينحَسِر دورُنا في المُجتمع الإنساني كمستهلكين لِما يَنتجهُ الآخرون فقط .

فاساس مُلكِنا الحَالي هو النفط ، والنَفط ليسَ سُوى ما تَنبِذَهُ الأرض مِن بَقايا مُتحللة لِكائنات مُنقرضة ليكون لَنا مَصدر رِزق وسِترُ عَورة ، وما كان هذا ليحدث إلا بسبب إبتعادِنا عَن نَهج الإسلام القويم .

فبدلاً من أن يتَّبع المُسلِمون كُتب اللهِ المُنزَّلة وسُنَّة اللهِ في خلقهِ لِنَقتدي بهدي رسوله الكريم ، آثروا الابتعاد عن كلاهُما فكانت النتيجة أن ضَعُفَت قوَّتُنا كمسلمين ومومنين بالله ، وذلك بسبب الإحباط الشديد الذي نعيشَهُ نَتيجة للتَناقُض الفِكري والحِيرة الشديدة في تحديد جهة الولاء بين ربٍ يدعوننا إلى جنَّة الخلد عَرضُها السَماواتِ والأرض ، وبين رَفاهية على الأرض نُوعَد بِها من قِبل الآخرين ولا نَطالُها، فتفرق بذلِك شملُنا وضَاعت هيبتُنا أمام شُعوب الأرض جميعاً.

أما السَبب الرئيسي في هذا التشتُت والضَياع يَعود لِتخبُّط المُسلمون في علومِهم ، وتردُدِهِم في اتِّباعِ هَذا الطَريق أو ذلك ، وعَدَمِ حَزم أمرهُم في توحيدِ كلمتهِم ليكونوا تَحت قِيادة إسلامية موحَّدة ، ترشِدَهُم إلى الصَواب وتقَودَهُم إلى الخير والصَلاح وتوحِد فِكرهُم ونَهجِهِم لتُنير دربَهُم.

وما دُمنا كذلك فلن يكون لنا كمُسلمين شأنٌ أبداً دون أن يكون لنا فِکر موَحَّد ومنهج ثابِت ومحدَّد ، نسير على أساسهِ ونَلتزم بِتعالِيمه وتَشريعاته .

فتمسُّك الشعوب الإسلامية الحَالي بمناهِج مُستَورَدة لا تمُت للإسلام بِصِلة وبالعديد مِن الشِعارات المُضلِّلة الصَادِرة مِن أُناس قد إشتهروا بكونِهِم جَهلَة وكَفرَة ، لن يقودَهُم ذلك إلا للمزيدِ مِن التشتُت والَضياع ، لأنَّ الذين يقفون وراء تلك الأفكار يهدفون بالأساس إلى زَعزَعة إيمانُنا كمسلمين وثقتنا بأنفسنا كمؤمنين ليس إِلا .

نستشهد على ذلك بقولهِ تَعالى في سورةِ البُروج الأيات من 1 إلى 10:

بسم الله الرحمن الرحيم : ( وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2) وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3) قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7) وَمَا نَقَمُوا مِنْهُمْ إِلاَّ أَنْ يُؤْمِنُوا بِاللَّهِ الْعَزِيزِ الْحَمِيدِ (8) الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَوَاتِ وَالأَرْضِ وَاللَّهُ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ شَهِيدٌ (9) إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)) صدق الله العظيم .

في تفسيرنا لِهذهِ الآياتُ الكريمات نُلاحظ في البداية تِكرار واو القَسم في ثلاث مَراحل مهمَّة في حياة البشر .

  • فالمرحلة الأولى تمثَّلت بخلقِ السمَاء ذاتِ البُروج لقولهِ تَعالى (وَالسَّمَاءِ ذَاتِ الْبُرُوجِ (1) ) أي السماء ذات الشواهِد والأعلام العَظيمة الدالَّة على عَظمة الخالق وجبروته ، فمن منَّا لم يرى النُجوم والشَمس والقَمر الشاخِصَات لَيلَ نَهار في السماءِ؟ فهي كالبروج التي تقِف شامِخة أمام الجميع فلا يتوارى عن رؤيتها أحَد.
  • وتمثل القَسَم الثاني في اليوم المَوعود لقولهِ تَعالی (وَالْيَوْمِ الْمَوْعُودِ (2)) ، والذي هو يوم القِيامة ، لِما لذلك اليومَ مِن صَدي قوي عِند البَشر ، كونَهُ يُمثِل نِهاية المَطاف لدى الخَلق أجمَعين في حياتِهم الدِنيوية.
  • أما القَسَم الثالث فجاء ليُمثل جُموع الخَلقِ والبَشر الذين سَوفَ يمتثِلونَ أمَام الخَالِق العَظيم في يوم القِيامة والذين مِنهُم شهودٌ ومشهوداً عليهِم لِقولِهِ تَعالی (وَشَاهِدٍ وَمَشْهُودٍ (3)) باعتبارِهِم شُهُود على الأحداث التي تَقَع من حولِهِم ومَشهوداً عليهِم بِما يَفعلون.
فجاءت مراحِل القَسم الثَلاث العَظيمة لتوحي للناس بأهميَّة الموضوع المُدرَج في ثنايا هذهِ الآية الكريمة ، فبَعد القَسَم العَظَيم جاءَ التنويه بسوءِ المَصير الذي آل إليهِ أَصحَاب الأِخدُود والمُتَمَثِل بالموتِ عَن طَريق القَتلِ والذي نجد قصَّتهُم في قولهِ تَعالى ( قُتِلَ أَصْحَابُ الأُخْدُودِ (4) النَّارِ ذَاتِ الْوَقُودِ (5) إِذْ هُمْ عَلَيْهَا قُعُودٌ (6) وَهُمْ عَلَى مَا يَفْعَلُونَ بِالْمُؤْمِنِينَ شُهُودٌ (7)) فكلِمة القَتِل هنا جاءت لتَدُل على حُدوثِ العَذاب الأليم المُؤدي للموت كعِقاب شَديد لأصحاب الأِخدود مِن قِبل المَولى العَزيز القدير نَظير ما اقَترَفت أيديهِم مِن ذُنوب بحق أُناس كانَ ذَنبَهُم الوَحِيد انَّهُم أمَنوا باللهِ الواحِد الأحَد، فَكانَ جزاؤهُم أن أُلقوا في ذلِكَ الفَجِّ الكبير والذي يحتوي على نارٍ مُتَّقِدة أي شَديدةُ الحَرارَة ، فجَلَسوا أولئِك قريباً مِنها ليُشاهِدوا مَنَظَر النَّاس وهُم يَحترقون .

هذهِ الحادِثة إِن دلَّت على شيءٍ فإنها تدل على سوءِ مَصير أَصحاب الأُخدود والذي سيؤول إليهِ كُل مَن يَظُن بأنَّهُ قادِرٌ على إطفاء نُور الحَق بِمُحارَبة الله وإضطهادِ عَبيده ، خصوصاً وأنَّ اللهَ توعَّد الكافِرين بصريح العِبارة عِندما تمَّ توجيه الحَديث الُمباشِر لَهُم لِسعِيهِم إلى فِتنة المُسلمين بِشتَّی الوسائل والطُرق مُحاولين بِذلك إِشعال نَار الحَرب بَينَهُم، وذلِكَ كَما وَرَد في الآية الكَريمَة في قولهِ تعَالى (إنَّ الَّذِينَ فَتَنُوا الْمُؤْمِنِينَ وَالْمُؤْمِنَاتِ ثُمَّ لَمْ يَتُوبُوا فَلَهُمْ عَذَابُ جَهَنَّمَ وَلَهُمْ عَذَابُ الْحَرِيقِ (10)) فهُم أي المُشركين والمنافقين ليصرُون على فِتنة المُسلمين دون أن يُفكروا في التوبَة أو الرُجُوع إلى اللهِ في شأنِهِم هذا ، فذلِك كلَّهُ يحدث دون أن يكون لهُم حُجَّة على المُسلمين سُوی أنَّهُم أي الكُفَّار كَرِهوا ما هُم عليهِ مِن الحَقِّ واليَقين لِعبادَتِهِم لله الواحِد الديَّان ، فَلَن يكون مَصير أولئِك المُجرِمون عِندئذٍ بأقل مِن أصحابِ الأُخدود ، إن لم يكن أشد بِكثير بِسبب تَذكيرِهُ جَلَّ وعَلا المُسبق لهُم بِما ينتِظَرَهُم مِن عَذابِ جهنَّم وعَذاب الحَريق والذين لن يجدوا مثيلهُما على الأرض .

مِثالُنا على ذلك، الحِقد الكَبير والكَراهية اللامتناهية الموجودة في قلوبِ الكفَّار ضِد المُؤمنين باللهِ واليومِ الآخِر ، والذي يتمثل جلياً في عَصرِنا الحَالي بمحاولتهِم لتحييد الدين وتجريدهُ مِن كُل مَعاني التَواصل الفِكري والرَبط المعنوي بين العَبدِ وربَّهُ ، وذلك بإصرارِهِم على رَفضِ أي علاقة بين ما توصَّل إليهِ الإنسان المُعاصِر مِن عُلوم وتِقنيات حَديثة تدخَّلت في جَميع مَجالات حياتِهِ وبينَ الدِين كموَّجِه و مُنظِّم لِتصرُفاتِ البَشر في جميع مراحِل الحَياة البِدائية مِنها والمُترفة ، فَما بَرِحُوا يُشيدونَ بِذكاءِ الإنسان المُعاصِر وعَبقريتَهُ وتَميُّزهِ الفِكري والأَخلاقي عَن أسلافِه في العُصور القَديمة ، مُحاولين بِذلك قَطع أي صِلة بَين الفَرد الحَالي وبينَ تاريخهِ وتَاريخ آبائِهِ وأجدادِه بإفتِراض أنَّ الإنسان الحالي يعيش حيَاة مُختلِفة كلياً عَن حياة أسلافِه ، وعِند بحثِنا في أَسبابِ ودوافِع هذهِ الحَملة وجَدنا أنَّهُم يَهدِفون بِذلك إلى فَصِل الإنسان عَن مَاضيهِ وبِالتالي عن دينِهِ الذي هو ذُخرَهُ وسَبَب وجودَه ليدفعوه بالنِهاية إلى الكُفرِ والإلحاد ، حُجَتُنا بِذلك الإصرار العَنيد الذي نَجِدَهُ لدى أغلَب العُلماء في عَصرِنا الحالي في نسبِ حَقيقة الوجود وبالتالي مَرجعية العلوم الحالية والتطور البشري لأي شيءٍ غير الله سُبحانَه ، فَتَارة يَنِسبوهُ للصدفة وتَارة لإنفجارٍ عَظیمٍ حَدث في الكون هكذا دون سبب، وتارة لعملية تَطور عَشوائية لَم تَحدُث إلّلَا مع الإنسان، وغيرِها العَديد مِنَ الأفكارِ الغَريبة والعَجيبة وليسَ مِنها مِن فِكرٍ واحدٍ عقلاني يَسعى لِرَبطِ المَخلوق بالخَالق، وذلك بما لديهِ مِن أساليب عِلمية وتِقنَّية مُتوفِّرة ، وهذا رَغم وجودِ مَن يدَّعي الإيمان بالله بينَهُم ولكن على شَرط إبِعاده عَن العِلم والحَياة ، ولا نَرى هُنا في موقِعنا هَذا حُجَّة لهُم سوى الحِقد الدَفين الذي يكِنُّوه في صُدورِهِم على دينِ اللهِ والنَاتج عَن الجهل العَظيم بِطبيعَة الأمور .

فماذا يُضيرهُم لويعترِفونَ ويُقِرونَ بِفَشَلِهِم أو جَهلِهم عِندما لا تَستطيع عُلومُهُم الحَالية بكل ما أوتيَّت مِن إمكانيات أن تَربط بِطُرق عِلمية وفِكرية صَحيحة ومَعقولة بينَ الخَلقِ والخَالق ، ولا يوجَد مُبرِر على الإطلاق لِرَفِض فِكرة وجود الله سُبحانَهُ كحقيقة عِلمية أساسية واللجوء بدلاً من ذلك إلى فَرض نَظريات تَعتَمِد على الصُدفَة والإختيار العشوائي للتطور بينَ الكائِنات الحيَّة في تفسيرِهم لِنشأةِ الكَون وأَصلِه .

فمِن ضِمن الدَلائل على ذَلك العَداء للمُسلمين، هو إصرارِهم على وَصف المُجتمعات المتديَّنة بكونَها أُصولية أو غير متحضِّرة ورَجعية أو بِدائية ... إلخ ، لِيصفوا بالمُقابل المُجتمعات الكافِرَة بالتَطُّور والحَداثة والرُقي وغيرِ ذلك ، مِن أجلِ أَن يدَعَموا فِكرة فَصل الإِنسان عَن خَالقه ليقودوا المُسلم بِالتالي إلى الكُفر بربِهِ والإلحاد عن دينهِ .

ومن أشهر الفِتن الحَالية ، تِلك الدَاعِية إلى العَمَل عَلى فَصلِ الدِّينِ عَن الحَياة ، بِحُجَّة وجُود فَراغ شَاسع ، وتَناقُض واسِع بَين العُلوم الدِنيوية الحَالية والعُلوم الدِينية ، هَذا بِالرَّغمِ مِن إدراكِهِم بأنَّ ذلِك الفَراغ الشَاسِع الذي يَتكلمونَ عنهُ ما جَاء إلا كَنتيجة لِفشلِ تِلك العُلوم عَن إيجاد الحقيقة المُطلقة المرجَّوة لَدى الجَميع ، وما مِن سَببٍ يَمنعُهُم مِن ذلِك سُوى إبتِعاد هَؤلاءِ النَّاسِ عَن الأسلوب الصَحيح في التفكير المَنطقي والإستِنتاج الصَحيح، خصوصاً بَعد إتخاذِهم غيرَ سَبيل المُؤمنينَ في تدبُّر أمرِهِم.

فَلقَد قالَ العَزيز القَدير في كتابهِ المُحكَم ، من سورة النِساء الآية 115 :

( وَمَنْ يُشَاقِقِ الرَّسُولَ مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ وَيَتَّبِعْ غَيْرَ سَبِيلِ الْمُؤْمِنِينَ نُوَلِّهِ مَا تَوَلَّىٰ وَنُصْلِهِ جَهَنَّمَ ۖ وَسَاءَتْ مَصِيرًا ﴿١١٥﴾) نَجِدُ في هذهِ الآية ِالكريمةَ تَنبيهٌ للُمسلِمين الغَافِلين عَن أُمور دِينَهُم ودُنياهُم ، دَاعية إياهُم ليتشبَّثوا ويتمسَّكوا بِهَدي الرسُول الكَريم عَليهِ الصَلاةُ والسَلام وبِاتِّباعِ سُنَّتهِ المُطهَّرة لِما فِيها مِن خَيرِ عَظيمٍ وطَريق قَويمٍ لِمَن يَنشُد الفَوزَ في الحياةِ الدُنيا ليتنَّعم بِالسَعادة الأَبدية المَوجُودة في الآخِرة ، فَهذهِ الآية الكَريمة تُحذِّر المُسلِمين خَاصَّة ، بِسبب ما لديهِم من مَعرِفة مُسبَقة بِعَظيمِ شَأنِ الرسولِ الكَريم بين الخَلقِ أَجمَعين وبِمدَى صِدق رِسالَتِه ِوصِحَّة نُبوَّتِهِ في القَولِ والعَمل ، ولتُحذِّرَهُم مِن العَاقِبة الوَخيمة التي يُمكن أن تَحدُث لهُم في حَالة مُشاقَقتهِم للرسولِ الكَريم ، وذلك عَن طريقِ إتخاذِهِم لنهجٍ غيرَ نَهجِ الرَسول وسلوكِهمِ لِطريقٍ غيرَ الطَريقِ المُستقيم والَّذي سَار عَليهِ الرَسول الأِمين .

ففي تفسير هذهِ الآيةِ الكَريمة نَجِدُ القَولَ الفَصلِ في الجَدل الحَاصل حالياً بينَ النَّاسِ بِخصوصِ إدِّعاءِ البَعض بِضرَورة فَصل الدِين عَن الحَياة ، فَهؤلاءِ هُم مَن يُشاقُّونَ الرسولَ في أفعالهِ وأقوالِهِ وذلكَ بإستِحداثِ أفكارٍ وأقوالٍ غَريبة لا تَمُت لِواقِع المُسلِمين بِصِلة .

لعل الهَدف الأساسي مِن وَراء ذلِكَ هو إبعاد المُسلمين عمَّا جاءَ بهِ رسول الله عليهِ الصلاة والسلام مِن قولٍ وفعلٍ يَخدُم صَالِح المُسلمِينَ ويَهديهِم إلى برِّ الأَمان ، لِغايةٍ في أَنفُسهِم لا يعلمُها إللا الله .

فبالرَّغمِ مِن يَقين هذهِ الفِئة مِن النَّاس ومَعرفتهِم بالحقِّ الَّذي جَاء بهِ الرَسول الكَريم ، إلا أنَّهُم بِذلِك يلحِدون عَن طَريق الصَّوابِ مَع كَونِهِم مِن المُسلِمين لقولهِ (مِنْ بَعْدِ مَا تَبَيَّنَ لَهُ الْهُدَىٰ ) ويصرُّون بقولِهِم هَذا على إتِّباع طَريقِ ونَهج الكفَّار ، فغيرِ سَبيلِ المُؤمنينَ هُنا هو مَنهَج الكُفر، ومِن ضِمن ما يَدعُونَ إليه أيضاً هو التخلِّي الصَريح عن الإيمان باللهِ والمَلائكة والرُسل واليوم الآخر وبالتالي سُلوك مَسلك أهل النَّار مِن المُغضُوبِ عليهِم ومِن الضَّاليِن .

فَتكون النَتيجة للجميع حَسب الآية الكريمة هو تولية الله لهُم بِما تولوا، أي تَركِ هولاءِ النَّاس لِما هُم فيهِ مِن تَسليم شُؤونِ حَياتِهِم للأفكار الهدَّامة لهُم ولمُجتَمعِهِم، لتكون النتيجة الضَلالة في الدُنيا ولهُم في الآخرةِ عذابٌ أليم.

مِثالُ ذلِكَ العَملي ما حصَل لمُجتمعات ما سمُيَّ بِدولِ الاتحاد السوفييتي، فلا يَخفى على أحدٍ ما آلو إليهِ بعد إتخاذِهِم لمنهَج الكُفرِ والضَلال سبيلاً وحيداً لتَدبيرِ شؤونِ حياتِهم ، فخسِروا بِذلك الدُنيا والآخِرة، وهذا ما سيحدُث لِباقي المُجتمعات إذا لم تَعِ الدَّرسَ وتُصحِح مِن أوضَاعِها الدُنيوية وتُعيد تَفعيل دَور الدين الرَئيسي في الحياةِ البشرية.

وهَذا ما نُحاول التَحذير مِنهُ هُنا ، مَع يَقيننِا بانَّ هَذا التوجُّه الكَافِر لِتَسيير شؤون الخَلقِ لَن يَقبل بهِ المُسلمُون ولَن نَقبل بهِ على الإطلاق كمؤمنين، وكيف نقبَل بهِ بَعد أن هَدانا اللهُ إلى طريقهِ القوَّيم وأئتمنَّا على كتابهِ العَزيز وبَشَّرنا بالفوزِ العَظيم كأمَّة تَهدي إلى الحَقٍ القَويم وتتَّخذ القُران العَظيم کَدستورٍ مُبين.

إذاً فحقيقة الفِكر والعِلم السَماوي تتلخَّص بكونهِ السَّبيل الوَحيد للبشرِ أَجمعين للفوزِ بالحياة الكَريمة المُستقرِّة على الأرض يتبعُها نَعيمٌ أكيد وسَعادة دائِمة في جنَّاتٍ عرضُها السَماواتِ والأرضِ أُعدَّت للمتَّقين. وإلى اللهِ عاقِبة الأُمور.

مِن كِتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوية) صفحة 036-041

تأليف: محمد "محمد سليم" الكاظمي (المقدسي)