تاريخ الإنسانية المزّور.. التاريخ بحاجة لإعادة كتابته من جديد

Rami

عضو مشارك
إنضم
31 يناير 2012
المشاركات
2,423
الإعجابات
3,466
الإقامة
سوريا
الجنس
ذكر
#1


تزييف التاريخ - ضرورة إعادة كتابة التاريخ


إن التاريخ إذا كان يسعى إلى إدراك الماضي البشري، فإنّ الإدراك هو غير التوهّم أو التخيّل والتصوّر، سواء أكان هذا أو ذاك عن وعي أم عن غير وعي.فالشعوب في مراحلها البدائيّة حين يغلب الوهم على المنطق العقلاني، والخيال على النقد، والتصوّر على التحقيق, تتناقل أحداث ماضيها مضخّمة مفعمة بالبطولات – بطولات الآلهة وبطولات البشر، فتروي الخرافات وتنشد الملاحم، ولا تلتزم الواقع كما حدث فعل.و لقد بقي هذا العنصر الوهميّ ملتصقاً بالمجهود التأريخي يؤثّر فيه، إلى أن انتظم علم التأريخ الحديث في القرن الأخير فدعا إلى التحرّر من هذا العنصر, وإلى مجابهة الماضي وأخباره بأدوات النقد والتحقيق التي تتميّز بها المعرفة العلميّة.و للأسف فلا تزال الكثرة من الناس تتوهّم ماضيها وماضي غيرها، ولا تدركهما أو تعيهما حقّاً.إن ما كُتب من التاريخ سواء في القديم أو في الحديث، قد أخذ شكل التركيز على الحكّام والشخصيّات، أكثر منه على الإنسان العاديّ، فبدلاً من تاريخ الشعب وجدنا ما يسمّى بتاريخ البلاط. فالكثير من جوانب تاريخنا كتبها أناس مأجورون من قبل الملوك.

كما لم نعن في كتابة تاريخنا بتاريخ الإقتصاد والإجتماع والفكر، والتي هي محاور رئيسيّة في منهاج المدرسة الحديثة في التاريخ. تلك المدرسة التي تهدف إلى الإفادة من التاريخ في إصلاح شؤون المجتمع، ووضع الحلول المناسبة لمشكلاته، بمعنى توظيف التاريخ في خدمة المستقبل، وليس دراسته من أجل الماضي كماضٍ فقط.و مع حلول منتصف القرن التاسع عشر بدا للباحث أنّه كانت هنالك محاولات جديّة لتفسير التاريخ بأسلوب علميّ، فقد برزت نظريّات طبيعيّة تؤكّد أنّ الجغرافيا والمناخ والغذاء هي الأساس الذي يشرح التطوّر الإجتماعي، وإنّه لمن الجدير بالذكر التنويه بأنّ (باكل) وهو رائد هذا الميدان لم يفته اعتبار العقل البشري كعامل من عوامل التقدّم الإجتماعي. وقد برزت في ذلك الحين بعض النظريّات الإقتصاديّة، كتلك التي قال بها كارل ماركس،

والتي تحاول أن تردّ التطوّر الإجتماعي إلى أنّه تفسير لعوامل اقتصاديّة كالإنتاج والتوزيع وصراع الطبقات الذي يخلقه الإنتاج والتوزيع. ومع أنّ أساس نظريّة ماركس وإنجلز كان ماديّاً، إلاّ انّهما أدركا حقّاً أهمّيّة العوامل الآنيّة كالعقل والنظم، واعترفا بأنهّا تلعب دوراً أساسيّاً في التاريخ. وها هو المنحى الأنثروبولوجي يغدو مهمّاً أكثر فأكثر في مجهوداتنا لفهم المجتمع البشري.

يبدأ التاريخ حين يبدأ الناس في التفكير بانقضاء الزمن ليس بمعايير السياقات الطبيعيّة - دورة الفصول، أمد الحياة البشريّة - وإنّما بوصفه سلسلة من الأحداث المحدّدة التي ينخرط فيها الناس ويؤثّرون فيها، بصورة واعية. إنّ التاريخ بكلمات (بوركهاردت) هو انقطاع مع الطبيعة يحدثه استيقاظ الوعي" فالتاريخ هو النضال المديد للإنسان - عبر استخدامه عقله - لكي يفهم بيئته ويفعل يها. ولكن الفترة الحديثة قد وسّعت هذا المفهوم، فالإنسان الآن يفهم ويفعل ليس في بيئته فحسب، وإنّما في نفسه كذلك. وقد أضاف هذا بعداً جديداً إلى التاريخ.


ضرورة إعادة كتابة التاريخ:
إنّ التاريخ المدوّن هو بمثابة سجن للإنسان، فهو يعيقه عن النظر إلى الواقع بتجرّد وموضوعيّة، لأنّه يخلط بين أفق الإنسان الفرد وأفق محيطه، يخلط بين الذّات والموضوع، بين الأنا وغير الأنا، بين العالم والمعلوم، بين النسبيّ والمطلق. وممّا يساعد على ذلك ويعزّزه - كما هو نتيجة له - هي سطحيّة التفكير، الناشئة عن تكوّن المفاهيم في العقل بطريقة انطباعيّة تقوم على التأثّر لا على الدراسة والتحليل والنقد. ونقطة الضعف هذه أصبحت ظاهرة عمّت الجموع البشريّة التي لازالت تقبع تحت وطأة القهر، سجينة ظلمات التاريخ، سجن الإنسان الأكبر، والذي ما فتئنا نجترّ صفحاته الخاوية من أيّ معنىً من معاني الإنسانيّة الإيجابيّة، التي تدفع الجموع لتحقيق العدل وإحقاق الحقّ ونشر الجمال سلوكاً والمنطق مرجعاً والعلميّة منهجاً. إذ أن أغلب الأحداث المدوّنة كانت تُعدُّ في المطابخ السياسيّة بعيدةً عن أعين الجمهور، حيث كان يجري لها من الرتوش والإخراج ما يخفي دوافعها الحقيقيّة، لتضليل الحشود ولإضفاء الشرعيّة على أفعال سلطات البطش والجشع.

إنّ ما كتب من التاريخ تنقصه الموضوعيّة، فنجد غياب العقلانيّة وتسليط أساليب النقد على هذا التاريخ، فجزء كبير من التاريخ تغلب عليه النظرة الرومانسيّة العاطفيّة، أكثر من النظرة المتّزنة العقلانيّة، واتي هي في حقيقتها تعويض عن مجابهة الحقيقة وهروب منها، تماماً كما يفعل المصاب بأحلام اليقظة.إن الأفراد والأمم عندما تكون سطوة الماضي قويّة نافذة، وصورته مستولية على النفس متحكّمة بالعقل، يتوقّف النشاط لديهم وتخفّ حيويّتهم، اكتفاءً بما حقّق وقناعةً به واستكانةً إليه، فينحصر الجهد والنشاط في محاولة إعادة مجرى التاريخ ورسم الحاضر على صورة الماضي.هذا الجمود يتطلّب أوّلاً ممارسة النقد الذاتي، ليزيل نير السطوة المتحكّمة، بتمييزه بين الصالح والفاسد، والزائل والباقي، والنافع والضار، فيغدو بذلك مبدأ النقد الذاتيّ عامل نهوضٍ أساسيّ.يقول في هذا الصدد د. قسطنطين زريق : إن للثقافة التأريخيّة المحترمة للماضي، فعل تركيز وتوطيد وتأصيل. أمّا عندما نعمد إلى نقد الماضي، فإنّها تغدو أداة إطلاقٍ وتحرير, تحرّرنا من سطوة الجهل ومن غرور الوهم والتواكل، وتهيب بنا إلى تحرّي الحقيقة مهما يكن طلبها شاقّاً وتكاليفها عسيرة. إنّها تنمّي في نفوسنا القدرة على مجابهة نتائج هذا التحدّي واستساغتها مهما يكن منظرها مؤذياً وطعمها مرّاً. إنّها تطرد الخوف من قلوبنا وتبعث فينا الجرأة وتكسبنا المتانة العقليّة والخلقيّة والنفسيّة التي تصمد أمام الواقع وتعلو عليه. إنّها تصفّي أصالتنا ممّا علق بها من أدران، وتعيد الحياة والنشاط إلى جذورها، فتجعلها أصالةً إيجابيّةً مثمرة، لا أصالة ادّعاءٍ وتيهٍ وارتداد.

إنّ التركيز والتحرير عملان متناقضان ينفي أحدهما الآخر ويزيل أثره. وإنّ ما ينتجه الأوّل من تثبيتٍ وتوطيد، ينقصه ما في الثاني من انطلاقٍ وانعتاق.إنّهما على العكس، عملان متكاملان يقوّي أحدهما الآخر وينمّيه، ولئن كان بينهما تناقضٌ واصطراعٌ داخلي، فإنّ هذا الإصطراع ذاته - هذا التجاذب والتنافر - هو عامل من عوامل النمو والإغتناء والخصب والإبداع. فكلٌّ من الإتجاهين يتغلّب بإيجابيّته على سلبيّة الآخر، فتعزّز إيجابيّة كلّ منهما وإيجابيّتهما المشتركة.و بهذا تبلغ الثقافة التأريخيّة الداعية إلى معرفة النفس ونقدها, المركّزة المحرّرة، المؤصّلة المتسامية - تبلغ هذه الثقافة غايتها، وتحدث آثارها المنشودة في الفكر والعمل، في فهم الحياة وفي صنعها.

إنّ ما يدفعنا لإعادة كتابة تاريخنا، أنّ التاريخ مقوّم من مقوّمات النهضة، وعمودٌ أساسيٌّ في الهيكل البنائي لشخصيّة الأمّة. فالتاريخ بحسب رأي المؤرّخ الفرنسي (ميشيليه) هو "رؤية من الداخل وعمليّة بثّ كاملة". فالتاريخ هو عاملٌ أساسيّ في تعميق الهويّة، فالتاريخ هو الذاكرة القوميّة للشعوب، وذاكرة الشعوب كما هي ذاكرة الأفراد، إن أصابها خلل، انسحب هذا الخلل على الكيان العام لهذه الأمة، حتّى إذا استعيدت هذه الذاكرة الجماعيّة، سهل علاج هذه الأمّة.

من هذا القول، وما يتعلّق منه بإعادة بناء الشخصيّة، ما يجعلنا نحدّد ثلاثة أمور :الأمر الأوّل أنّه لا بدّ من معرفة أبعاد تاريخنا جميعها، الجيّد منها، وغير الجيّد. فترات الإستشراق والتقدّم، وفترات الظلام والتخلّف. تماماً كما نقوم بالتعرّف على أبعاد شخصيّة مريض الذاكرة، والذي لا بدّ له من تحليلٍ كاملٍ لماضيه، حتّى يعي هذا الماضي وعياً دقيقاً، فتعود إليه ذاكرته ويستردّ عافيته. والأمر الثاني هو أنّ التاريخ المكتوب بصدق، والذي يتّصف بصفة الشموليّة، له دور كبير في تطهير الشخصيّة، فمريض الذاكرة يتطهّر من عيوبه وآفاته، إذا أخرجنا ما في لاوعيه إلى ساحة الوعي، ومافي لاشعوره إلى ساحة الشعور، فلا تعود الأمور غير المرتّبة في عقله الباطن تؤثّر تأثيراً سلبيّاً على عقله الواعي وممارساته الظاهرة.الأمر الثالث أنّه بالدراسة التحليليّة لتاريخنا، نحرّر شعبنا من الكوابح التي تشدّه إى الوراء وتعيقه عن الإنطلاق، فنحقّق له بذلك تفجيراً لطاقاته المبدعة، ونسير به نحو الثورة الحقيقيّة على الذات، هذه الثورة التي تحقّق المعجزات، وتدخل من جرّائها الشعوب التاريخ من أوسع أبوابه.و في ذلك نستطيع من خلال وعي ذاتنا، ومعرفة آفاق شخصيّتنا، والوقوف على معاني الإبداع والقوّة فيها، بعد أن نكون قد تعرّفنا على عوامل الضعف والتخلّف من أجل أن نتجنّبها ونبتعد عنها، نقوم بنهضة حقيقيّة تفعّل وجودنا لصالحنا وصالح عموم الإنسانيّة.

ممّا تقدّم نلخص إلى :إن غاية التاريخ هي إدراك الماضي كما كان، لا كما نتوهّم انّه كان، لهذا لا بدّ من مستوىً عالٍ من المنهجيّة التاريخيّة. فلا تاريخ بدون بحثٍ عميق واستقصاءٍ عريض، كما أنّه لا تاريخ بدون نقد. وهذه المنهجيّة تقتضي مزيداً من العلميّة، بمعنى تسليط منطق العلم على التاريخ, فلا بدّ إذاً من الموضوعيّة، نرى أنّ بعض علماء الحديث قد شرعوا في الإهتمام بالموضوعيّة، وتحرّي الحقيقة فيما يذهبون إليه، كما حرصوا على التأكيد من الأخبار والروايات، فسلّطوا عليها سيف النقد، وأوجدوا ما عُرِفَ بعلم الجرح والتعديل.من المتطلّبات الأساسيّة في التأريخ، ميّزة التجرّد. حيث أنّها مزيّة مطلوبة في كلّ علم، مفروضة على كلّ باحث, والتجرّد يلزمه الحرّيّة لكتابة التاريخ، هذه الحرّيّة التي تحرّر افنسان من سجن التاريخ، إذ لا بدّ منها حتّى نكتب تاريخنا بموضوعيّة وصدق, ومن أجل أن تتلاقح الآراء للوصول من خلال الحوار إلى الحقائق، وإلاّ فسيبقى التاريخ مكبّلاً آسراً لنا ولطاقاتنا، وأسيراً لمغالطاتنا وأوهامنا.الدقّة في النقل، والدقّة في التفكير والتعبير، شرط أساسيّ صريح من شروط أيّ بحثٍ علميّ، وهي في صميم تقليد العلم المتراكم، ومن أهمّ عوامل تقدّمه ورقيّه.
والدقّة تتطلّب تفسير الأحداث التاريخيّة وتحليلها تحليلاً دقيقاً، فلا ينبغي الإكتفاء بذكر الأحداث بدقّة، بل لا بد من تفسيرها. يجدر بي هنا أن أشير إلى مسألة هامّة بالنسبة للدقّة في التفسير لدى المنهجيّة العلميّة للدراسة التاريخيّة، ألا وهي تحليل التغيّر عبر الزمن.على ضوء هذه الإعتبارات يمكن الإحاطة بكيفيّة إعادة كتابة التاريخ، للبدء في عمليّة صقل شخصيّتنا القوميّة بأصالة ووضوح.

تحريف التاريخ:
حقائق التاريخ – المشتملة على جميع نواحي وجود الإنسان – لا تصل إلينا مطلقاً بصورة بحتة، لأنّها لا توجد ولا يمكن أن توجد بصورة بحتة، فالماضي لم يعد موجوداً، ولكن يمكن تتبّعه بفضل الطرق الفنّيّة التي تعطينا أدلّة تمدّنا بها العلوم الطبيعيّة والتقنيّة، عن طريق البحث العلمي في الآثار الماديّة الباقية، وأيضاً نقرأه في المؤلّفات والوثائق التاريخيّة، ولكن علينا أن نعي أن الحقائق التي وصلت إلينا بشكلٍ مكتوب تنعكس من خلال ذهن من قام بتدوينها، فيترتّب على ذلك أنّنا إذا ما تناولنا في البحث عملاً تاريخيّاً يجب أن لا يكون اهتمامنا الأوّل منصبّاً على الحقائق التي يتضمّنها، وإنّما على المؤرّخ أو المؤلّف الذي كتبها. فغالباً ما يستعين المؤرّخ بخياله في إتمام الوقائع وتأويلها، فهو يصل إلى نتائج كان يرمي إليها منذ البداية متأثّراً بأهواءه، يهديه إيمانه أكثر ممّا يهديه حبّ استطلاعه، فخياله في تأويل الوقائع ليس محايداً.

يرى الباحث المنقّب من خلال ما رواه المؤرّخون المثبتون، وما ذكرته مؤلّفاتهم، أنّه ليس إلاّ أحاديث خرافة أو أقاصيصٌ مُفتراة، كانوا قد قصدوا منها إلى تمجيد فريقٍ من الناس تمجيداً فيه أطنابٌ وأسراف، وإلى تحقير فريقٍ آخر تحقيراً لا إنصاف فيه. ثمّ تدال الناس هذه المفتريات أجيالاً تلو أجيال، فقرّت في أذهانهم كأنّها حقائق، حتّى قام بعضٌ من علماء وباحثي هذا العصر بالتنقيب عن آثار الماضي وفحص أسانيده، واستعانوا بالعلوم المساعدة كعلم الآثار والأبيغرافيا والكرونولوجيا وغيرها، مرتكزين بذلك على أدوات العقل في التفكير المنطقيّ من تحليل وتفكيك وتركيب، إلى مقارنة وقياس وتمحيص، فأماطوا اللثام عن كثيرٍ من تلك الأكاذيب الذائعة، فبيّنوا لنا أن المؤرّخين القدماء قد عظّموا أناساً لا يستأهلون التعظيم، وظلموا آخرين لم يقترفوا ما نُسِبَ إليهم زوراً.إنّ عدم المصداقيّة التي دوّن بها أولئك المؤرّخين، إنّما تعود على فشلهم في تحرير أنفسهم من العوامل المؤقّتة الدخيلة على الإنسان، وعلى رأسها الوطن والدِّين. كما ترجع أيضاً على من قام منهم بتلبية أهواء الملوك والقادة المُغرضة.إنّ المؤرِّخ كغيره من النّاس، يتأثّر بالدّين الذي وَجَدَ نفسه مُلزَماً باعتناقه، كما يتأثّر بمعطيات الوطن الذي ورثه، وأخلاقيّات وسلوكيّات الجماعة التي ينتمي إليها.و لا يجدر بنا أن نصبّ عمليّة البحث التاريخيّ على العنصر الوثائقيّ فقط، إذ من الأحرى بنا أن نولي بالدراسة شخص المؤرّخ أو المؤلّف ذاته، وأهواءه المستمَدّة من بيئته، مراعين بذلك الطبيعة الظرفيّة الزمكانيّة آنذاك. وبما أنّه لم يحدث تغييرٌ جليلٌ في طبيعة الأمزجة الإجتماعيّة في الفترات التي عاشها من عاصر ونقل ما وصل إلينا من وثائق وأخبار، حتّى يومنا هذا، فإنّه من السهل القيام بالمقارنات وتحليل الماضي الُمنصرم على ضوء الحاضر المُعاش.

إنّ ما يدفع المؤرّخين عادةً إلى التحريف والكذب (مؤلّفي الوثائق – مدوّني الوقائع) هو :
1-أن يحاول المؤلِّف أن يجتلب لنفسه منفعةً عمليّة، ويريد أن يخدع القارئ للوثيقة لدفعه إلى القيام بعمل أو صرفه عنه. ولتحديد الأقوال المتّهمة ينبغي أن نتساءل عن المصلحة التي اعتقد المؤلِّف نفسه أنّها له، وذلك عن طريق البخث في ميوله الفرديّة التي اكتسبها من ميول الجماعة التي ينتمي إليها، كالأسرة، الإقليم، الوطن، الطبقة الإجتماعيّة، الدين السائد، الحزب السياسيّ. ولكنّ هذه الإنتماءات قد تتعارض مصالحها أحياناً، فيجب علينا أن نميّز الجماعة التي يتشيّع إليها أكثر من غيرها، والتي كان يعمل لها.
2-أن يكون المؤلَّف في موقفٍ أرغمه على الكذب، وهذا ينطبق على جميع الحالات التي يكون فيها في حاجةٍ إلى كتابة ما يتوافق مع القواعد والعادات الشائعة.
3-أن يكون المؤلِّف يستشعر عطفاً أو كراهيةً لجماعةٍ من الناس (أمّة، أسرة، فرقة، مدينة، إقليم، حزب) أو لمجموعٍ من المذاهب والمؤسّسات (دين، فلسفة، فرقة سياسيّة)، ما دفعه إلى تشويه الوقائع ابتغاءَ أن يُعطي فكرةً حسنةً عن أصدقائه، وسيّئةً عن خصومه في الإنتماء أو التوجُّه.
4-أن يكون المؤلّف قد انساق وراء غرورٍ فرديٍّ أو جماعيّ، فكذب ابتغاء تمجيد شخصه أو الجماعة التي ينتمي إليها، وقال ما اعتقد أن يُحدِث في القارئ تأثيراً ينطوي على ما يؤكّد أنّه هو أو بني جماعته كانوا ذوي مناقب جليلة. وهنا لا يصحّ، عند البحث في هذه النقطة، القيام بعمليّة قياس الغايات إن قمنا بتقمّص دوره، فلعلّه إنّما كذب ابتغاء أن ينسب لنفسه ولقومه أفعالاً تبدو لنا ذميمةً شائنة، بينما كانت هي بالنسبة إليه ولقومه أفعالاً محمودة، والأمثلة في هذا كثيرةٌ سواء في التاريخ القديم أم الحديث منه.
5-أن يكون المؤلّف أراد تملُّق الجمهور، أو على الأقل أراد أن يتجنّب الصدام معه. فتراه يُعّبِّر عن العواطف والأفكار المتّفقة مع أخلاق جمهوره والبدع السائدة عنده. حتّى وإن كان هو ذا عواطف وأفكارٍ مخالفة، فإنّه يشوّه الوقائع ويلائم النصّ ابتغاء التكيّف مع أهواء جمهوره.6- أن يكون المؤلّف قد حاول تملُّق الجمهور بميولٍ أدبيّةٍ، فشوّه الوقائع لجعلها أجمل حسب تصوّره للجمال وبحسب الذائقة العامّة المعاصرة لمؤلّفاته.و لدينا في تاريخنا في هذا الشأن مثالٌ بارزٌ صَبَغَ التاريخ من بعده بلون ما شوّه للأسباب التي ذكرناها.

ومن الأنواع المعتادة في التشويه الأدبي :
- التشويه الخطابيّ : وهو أن ننسب إلى الأشخاص مواقفاً وأعمالاً وعواطفاً، بكلماتٍ تنمُّ عن النُبل، وهذا ميلٌ معهودٌ لدى مبتدئي فنّ الكتابة والتأليف.
- التشويه الملحمتيّ : هو أن يُجمِّل الحكايا بإضافة تفاصيلٍ جذّابةٍ مشوّقةٍ، وخِطَبٍ يدّعي أنّ أناساً ألقوها، وأسماء أشخاصٍ وحتّى أرقاماً، وذلك أنّ ذِكر تفاصيل دقيقة توهم الصدق.
- التشويه الدرامي : وهو أخطر أنواع التشويه، حيث يحشد المؤلّف الوقائع ابتغاء زيادة قوّتها الحبكويّة، وذلك بأن يركّز على لحظةٍ واحدةٍ أو شخصٍ واحدٍ أو جماعةٍ واحدةٍ، وقائع مشتّتة.

و هنا ندرج بعضاً من الأمثلة التي نالت قسطاً كبيراً من التزييف، وتناقلتها الأجيال بالتواتر وبالتسليم بما قد كُتِب :

يقول المؤرّخون أنّ الإسكندر المقدوني بكى حين دخلت جيوشه أرض الهند، لأنّه بذلك كان قد أخضع كلّ أرضٍ معمورةٍ في أيّامه، فلم تعد ثمّة أقاليمٍ يغزوها ويسودها. ولكن يوجد من الأدلّة ما يُثبِت أنّ جيوشه كانت قد هُزِمت أمام الجيوش الهنديّة، وأنّه اضطرّ إلى أن يرجع القهقرى مهزوماً.

كما أراد المؤرّخون الإشادة بشجاعة الإغريق وبسالتهم، فيؤكّدون أنّه حين احتشدت جيوش الفُرس الزاحفة تحت أمرة (اكزرسيس) عند ممرّ (ترموبيلي)، تصدّى لها ثلاثمائة إغريقيّ فقط ! فانهالوا على كتائب الفُرس تقتيلاً حتّى كادوا يردّونها على أعقابها. ولكن البحث التاريخيّ يُثبت أنّ جنود الإغريق لم يكونوا ثلاثمائة، بل كانوا اثني عشر ألف جندي على الأقل. وأنّهم لم يصمدوا لقوّات الفرس التي أودت بهم جميعاً.

وبالغوا في الحطّ من تاريخ (نيرون) حتّى صار مضرب المثل في البغيّ والعسف. فاتّهموه بأنّه أمر بقتل أمّه، مع أنّها قُتلت دون أن يدري، اتّهموه بأنّه أمر بإحراق روما ليشاهد النيران تلتهم معالمها وتفتك بأهلها، بينما هو ينشد الأغاني ويعزف على (الكمان) لاهياً. والحقّ أنّ النار التي أحرقت روما شبّت قضاءاً وقدراً، وأمّا (الكمان) فلم يُخترَع إلاّ بعد عهده بمئات السنين!

وأضفى المؤرّخون على (قسطنطين الأوّل) صفات القداسة، فلم يعد اسمه يُنطق إلاّ مسبوقاً بلقب قدّيس..... لماذا؟ ألأنّه قتل زوجته، وولدين من أولاده، ونفراً جمّاً من أهله؟

كما قام المؤرّخون بتقديم مفهومٍ سطحيّ للحروب الصليبيّة، حيث اختزلوه إلى بُعدٍ دينيٍّ فقط، ودوّنوها على أنّها الحروب التي وقعت في سورية في نهاية القرن الحادي عشر. بينما هي بمفهومها العلميّ الحروب التي ارتكزت على أسسٍ اقتصاديّة سلطويّة توسّعيّة كما هي دينيّة. تعود إلى القرن الثامن، بدأت معاركها الأولى في سهل (اللوار) و(الرين)، وُجّهت نحو الوثنيّة بادئ الأمر، ثمّ إلى إلى الإسلام والوثنيّة معاً، ثمّ إلى الإسلام وحده بعد انحلال الوثنيّة، ولم تكن المعارك المتوالية التي وقعت في سورية ومصر بين المسلمين والفرنج منذ وجود (فروادى بويون) إلى (لويس التاسع) إلاّ طوراً من أطوار ذلك الصراع العامّ. ففي الوقت الذي انهارت فيه صروح العالم الرومانيّ الشامخة لأسبابٍ عدّة، انقضّ الإسلام على أنقاضها في آسيا ة أفريقيا وشادوا منها دولاً جديدة. ثمّ حاول أن ينفذ إلى سويداء النصرانيّة من المشرق والمغرب معاً، فلاقى خيبته الحاسمة في المشرق أمام أسوار القسطنطينيّة، ولاقى ذات الهزيمة في الغرب فوق ضفاف (اللوار)، وارتدّت الوثنيّة في نفس الوقت على ضفاف (الرين) أمام نفس أولئك الفرنج الذين وقفوا فلإسلام سدّاً.فوق هذه البسائط وفي مهاد تلك المعارك الحاسمة، معارك الحياة والموت، قدّرت النثرانيّة فداحة الخطر الذي يهدّد كيانها من تدفّق الإسلام والوثنيّة، لتنشأ في المجتمع النصرانيّ فكرة صراعٍ غامضة استحالت إلى فكرة الحروب الصليبيّة.

تزوير الوثائق التاريخيّة:
من الحوادث الهامّة والشهيرة في تزييف الوثائق، ما أقدم عليه (لوكاس فرين) في فرنسا، حيث قام بتزييف وثائقٍ عدّة وباعها إلى المؤرّخين ذوي الشأن آنذاك في فرنسا والعالم الحديث وعلى رأسهم العلاّمة (ميشيل شال) على أنّها قديمة وبخطّ كاتبيها ومنها : كتاب من الإسكندر المقدونيّ إلى أرساطاطاليس، وأيضاً خطاب من جان دارك إلى الشعب الفرنسي، وباقي الوثائق كانت قد بلغت 27320 خطاباً منسوبة إلى 660 شخصاً من مشاهير التاريخ، وقد تمّ فكّ ملابسات تلك الوثائقو البتّ بقضيّة التزييف هذه فلاقى صانعها مصير السجنلا شكّ أنّ وثائق (لوكاس فرين) تمّ معرفة زيفها بتعيين المعنى الخاص للكلمات في الوثيقة، إذ لم يكن متوفّر في ذاك العهد أدوات قياس عمر المواد كالإستعانة بالمواد المشعّة.

يقوم الكشف اللغوي في الوثيقة على مبادئ بسيطةٍ جدّاً وأهمّها :

1-إنّ اللغة في تطوّر مستمر من شأنه أن يفسدها. ولكلّ عصر لغته الخاصّة، ينبغي النظر إليها على أنّها نظام خاص من الرموز والعلامات. وعلى هذا فإنّه لفهم وثيقةٍ ما، يتوجّب معرفة لغة العصر، أعني معنى الألفاظ والصيغ في العصر الذي كتبت فيه الوثيقة - ومعنى اللفظ يتعيّن بجمع المواضع التي استعمل فيها، وسنجد غالباً موضعاً فيه باقي الجملة لا يدع شكّاً في المعنى المقصود.

2-الإستعمال اللغوي يمكن أن يختلف من إقليم إلى آخر، ولهذا يجب معرفة لغة الإقليم الذي كتبت فيه الوثيقة، أي المعاني الخاصّة المستعملة بها الألفاظ في الأقاليم المختلفة

3-لكلّ مؤلّف طريقته الخاصّة في الكتابة، ولهذا يجب أن ندرس لغة المؤلّف، والمعنى الخاص الذي استعمل به الكلمات.

4-التعبير يختلف معناه بحسب الموضوع الذي يوجد فيه، ولهذا ينبغي أن تفسّر كل كلمة وكل جملة لا مفردة، بل بحسب المعنى العام للفقرة (السياق) وقاعدة السياق هذه : ينبغي ألاّ نفصل كلمتين عن سياقهما، وإلاّ فهذه الوسيلة للغلط في معنييهما، وهذه قاعدة أساسيّة في التفسير، وتقتضي بأنّه قبل أن نستعمل جملة من نص أن نقرأ النص كلّه أوّلاً، ويحظر التقاط الإقتباسات وإدراجها في عمل حديث، أي التقاط شذرات من جمل منتزعة من فقرة لا ندري ما المعنى الخاص الذي لها فيها.

ومن المؤلَّفات والوثائق التاريخيّة التي تمّ تزويرها أو تعديلها نذكر :

مذكّرات هتلرالمنشورة في مجلّة شتيرن عام 1983في العشرين من نيسان 1945 كانت برلين تحترق وفي ذاك الوقت أمر هتلر بأن تحرق كلّ أوراقه الشخصيّة والرسميّة وقد أقرّ خبراءالحكومة الألمانيّة فيما بعد بالتزييف الصارخ الذي أرجحوا أنّه تمّ في عام 1964البعض من مسرحيّات شكسبير كما اكتشف البروفيسور (دوفر ويلسون 9 والبروفيسور (بولارد) قد كانت موجودة فعلاً قبل عام 1953 بأقلام غير شكسبيريّة كمثل مسرحيّة (هنري الخامس) و(روميو وجولييت) و(هاملت), وأنّ ما فعله شكسبير هو أنّه قوّمها وأصلحها، حيث جعلها على الشاكلة الموجودة لدينا الآن.

تدفعنا هذه الأمثلة للتساؤل عمّا بحوزتنا من وثائق تدّعي القِدّم والأسبقيّة، فحريٌّ بنا،قبل أن نهزأ بباقي المؤلّفات المزوَّرة، أن ننظر إلى ما في جعبتنا، ونباشر بالفحص والتدقيق والتمحيص.

تمحيص التاريخ:
في الفترة التي أعقبت الحرب العالميّة الأولى وإلى قيام الحرب العالميّة الثانية، أدركت بعض الأمم أنّ كتابة التاريخ يجب أن يكون تحت إشراف عصبة الأمم ومعهد التعاون الفكري، ثمّ بعد الحرب الثانية توبع العمل تحت رعاية هيئة الأمم المتحدة ومنظّمة الأونيسكو، ولكن ظهر أن التواريخ المدوّنة لم تكن تضمن الغاية المنشودة من المصداقيّة، لأنّها لم تكن تكتب بإخلاص بل بتحيّز واتّجاه معيّن ألا وهو تمجيد أعمال الوطن وتبرير أخطائه، ونقد أعمال وسياسة سائر البلدان ولا سيّما عندما لا تتماشى ومصالحه. وبذلك أصبح التاريخ وسيلة للتضليل لا للتعريف بالحقائق وتكوين مجتمع صالح. ومثال ذلك أنّ كلّ شخصٍ يقرأ في تاريخ بلاده أنّها كانت عُرضةً للمظالم والمطامع، وضحيّةً بريئة للغاصبين، وقلّما يجد ذِكراً للأخطاء التي ارتكبتها، والحروب التي يجب أن تتحمّل مسؤوليّتها، والفظائع التي لم تبالِ بارتكابها، ولئن جاء ذِكر شيءٍ من هذا فإنّما يكون في مقام المُدافِع لا المُعتدي.

وهكذا تتكوّن لدى القارئ الذي تعوزه عناصر المقارنة وروح النقد، هذه الأفكار المضلِّلة وتنطبع في ذهنه, فيعتقد أنّ مواطنيه كانوا عِبر التاريخ والعصور عنوان الفضيلة, وأنّ الأمم الأخرى أممٌ معتدية ظالمة، وبذلك يُصبح هذا الإنسان شذِراً إلى غيره ’ متأثّراً بهذه الأفكار.

وبهذا الصدد قال البروفيسور (بيتر هيل) : إنّ التاريخ الذي يُدرَّس في اتّجاهٍ معيّن يصنع المتطرّفين والمتعصّبين، والتاريخ الذي يُدرَّس على وجهيه يشحذ روح النقد ويجعل المرء أكثر إنسانيّةً وإنصافاً.من هنا تتّضح ضرورة مراجعة الكتب المدرسيّة وكتابتها من جديد بتلك الروح، لأنّ أكثر ما يعانيه العالم اليوم من خلافاتٍ وبغضٍ للآخر المختلف، إنّما يرجع في أصله إلى الفكرة الأولى التي انطبعت في أذهان التلاميذ عن الشعوب الأخرى.
إنّ اكتشاف الباحث المؤرِّخ لما هو (تحت التاريخ) يساعد بالتدريج على إيجاد عالم يقدّر كلّ أصالةٍ في الفكر، ولا يقتصر على الأنواع التي كانت تقدّرها الطبقات الأرستقراطيّة فيما مضى. وفي هذا العصر الذي كثُر فيه الخوف من التغيّرات متزايدة السرعة، كثيراً ما يؤدّي هذا الخوف إلى حالة من الجمود نحسبه خطأً علامة الإستقرار، لذا فإنّ تعمّق الباحث في العقل غير الواعي للأجيال الماضية، وكيف كانت عقائدهم ونزعاتهم في تعارضٍ مع اعترافاتهم، يمكن أن يفرغ علينا تواضعاً شافياً حين ننظر إلى ذاتنا. تكوّن عمليّة الإستنباط هذه، مع الإستعانة بباقي أدوات الفكر، ما يُدعى بفلسفة التاريخ.

إنّ مجرى التاريخ متّصل غير منفصل، برغم ما يبدو لمن يقلّب صفحاته متنقّلاً بين عصوره وحوادثه، إذ يجد حروباً غيّرت وجه الأرض فأقامت ممالكَ على أنقاض ممالكٍ أخرى، ويجد ثوراتٍ هدّت معالم الإجتماع، فجعلت العالي سافلاً والسافل عالياً، ويجد طائفةً من العباقرة في السياسة والعلم والأدب برزوا على معاصريهم، وصبغوا الحضارة بصبغٍ جديدة هي صبغتهم الخاصّة.

من المعروف أنّ غريزة التملّك كانت كبيرة الأثر في جمع الثروة المادّيّة التي اقتضاها سير الحضارة وانتقالها من أدوارها الأولى. ولا تزال ثمّة شعوب وجماعاتٍ لا تسدّ رمقها ولا تصيب مساك عيشها، إلاّ من الصيد وجمع الثمار البرّيّة، كقبائل (البونان) في (بورنيو) وهم سكّان الغابات، ومن الملاحظ أنّهم امتازوابالرقّة ولطف المعشر، فلا تجد حروباً نشبت مع غيرهم ولا نزاعاتٍ بينهم. ذلك أنّ غريزة التملّك لم تلعب دوراً كبيراً في مسالك حياتهم. فعندما بدأ الإنسان بانتقالٍ مرحليّ في ممارسة الزراعة، أخذت هذه الغريزة تُحدِث أكبر الأثر في الجماعة، وذلك لكون الحبوب والغلال تصلح للإختزان كضربٍ من الثورة، وأكثر الحضارات التي نمت وتطوّرت كثيراً ما قامت على أساس جمع الحبوب واختزان الغلال. فكانت الحبوب من أهمّ رؤوس الأموال وأكبر السلع التجاريّة شأناً، ولا يخفى ما كان لتجارة من أثرٍ بالغٍ في التطوّر الإجتماعيّ. وكان من أثر تلك الغريزة قيام الجماعات البشريّة بتحرّكاتٍ رسمت مناحٍ عدّة في وجه المعمورة، ولعلّ أكثر صفحات التاريخ البشريّ مستغرقة في وصف قصّة انتشار الإنسان وهجرته وغزوه وفتوحاته واستعماره.الإنتشار، وعلى خلاف الهجرة, هو انتقال الجماعات إلى أصقاعٍ غير مأهولة للإستيطان فيها. أمّا الغزو فكان دخول أقوامٍ عنوةً أرض أقوامٍ أخرى أوفر منهم ثروةً وأكثر ثقافةً ز وكان الفتح إغارة قُبيلٍ من النّاس استقرّ!وا وأثّروا كالرومان على بلاد قومٍ آخرين دونهم في الثقافة والرخاء كالغال لسيادتهم وحُكمهم والظفر بسلطان المجد وابتزاز مواردهم أيضاً. ويقتضي الغزو ذهاب شطرٍ من القوم الغازين أو انتقالهم جميعاً إلى الأرض الجديدة للإستقرار فيها، أمّا الفتح فإنّ الفاتحين لا يغيّرون مقامهم إلاّ على القدر الكافي للإشراف على البلد المفتوح واستغلال موارده.

إنّ كثرة التزاوج بين الغزاة والمغزوّين أحدثت آثارها البيولوجيّة ومعقّباتها الإجتماعيّة، حتّى لم تترك جنساً من الأجناس على أصله، ولم تدع أرضاً يمكن أن يدّعي أهلها أنّهم مواطنوها الأوّلون، باستثناء بعض المناطق التي لم تكن عرضةً للمطامع، او التي يتعذّر الوصول إليها.

وجاء عهد الإستعمار بانتقال أقوامٍ من أوطانهم إلى أقاليمٍ أُخضِعت لها من الوجهة السياسيّة، وكانت بداية هذه الحركات في القرن السابع عشر، وظلّت قائمة إلى القرن الماضي، وقد جعلت أهدافها أمريكا وأفريقيا وأستراليا، وليس من شكّ في أنّ الدول الكبيرة إنّما تلتمس الظفر بمستعمراتٍ لأسبابٍ اقتصاديّةٍ أوّلاً، وللسيطرة والمجد ثانياً، فإنّ المستعمرات كانت كفيلة لها بالمواد الأوّليّة، وهي أيضاً أسواق نافقة لتصريف منتجاتها، ومنفذٌ لتخفيف عن زحمة السكّان في بلادها. يقودنا بحثنا في العقل غير الواعي للعصور الماضية إلى تفاصيل وافية ونتائج ثابتة، حتّى نحصل على أدلّة بالمعنى المألوف في الوثائق التاريخيّة، والواقع أنّ طريقة البحث هذه تمثّل وجهة جديدة تماماً، وانقلاباً في التفكير المعهود. إنّنا بذلك نضع الماضي على سرير التحليل النفسيّ.
و معرفة الحاضر تزيد من فهمنا للماضي، والتعرّف على المفهومات التي استحدثها علماء الإجتماعيّات لتحليل العمليّات الإجتماعيّة المعاصرة، بسهّل التحرّي عن العمليّات المشابهة التي تواجهنا في المدوّنات التاريخيّة. ويحدث العكس أيضاً لأنّ معرفة تاريخ الماضي تنير فهمنا للحاضر، وتقوم في الوقت ذاته بشحذ أدوات التحليل وتوسيع نطاق الشواهد التي تستخدمها العلوم الإجتماعيّة غير التاريخيّة.

إنّ المؤرّخين، على غرار النّاس العاديّين، يقعون أحياناً في استخدام لغة البلاغة، ويتحدّثون عن حدثٍ ما بوصفه (حتميّاً)، في حين أن كلّ ما يقصدونه هو أنّ تضافر العنصر الذي يدفع المرء إلى توقّع ذلك الحدث كان قويّاً للغاية.

يرى ابن خلدون أنّ الحضارات تتعاقب عليها أطوار ثلاثة : هي طور البداوة، وطور التحضّر، وطور التدهور. ففي طور البداوة تجمع النّاس رابطة العصبيّة على ما هو ضروريّ، ثمّ تطلب الغلبة على القبائل الأخرى حتّى تستتبعها وتلتحم بها. ولا تظفر الجماعة باللإنتصار والسيادة إلاّ إذا اعتمدت على مبدأ دينيّ أو سياسيّ، حيث تتشكّل الدولة، بعد أنّ تمّ لها فتح الأمصار وأصبحت تنعم ببحبوحةٍ وعيشٍ كريم. على أنّ تقدّم الحضارات يتوقّف على ثلاثة أشياء، هي مزايا الأرض ومزايا الحكومة، ومزايا السكّان. بعد ذلك يأتي طور التدهور حيث يرى ابن خلدون أنّ عوامل تحضُّر الدولة هي ذاتها عوامل تدهورها. وأوّل هذه العوامل هي العصبيّة، ومحاولة الملك التفرُّد بالحكم والتخلّي عن أبناء قبيلته، وبالتالي الإستعانة بالموالي. والعامل الحاسم في تدهور الدولة هو الترف الذي يفسّره ابن خلدون بأسبابٍ اقتصاديّة وأخلاقيّة ونفسيّة.

إنّ التقدّم في التاريخ – وعلى عكس التطوّر في الطبيعة – يستند إلى تناول الموارد المكتسَبة. وتشمل هذه الموارد الممتلكات المادّيّة وكذلك القدرة على التحكّم بالبيئة وتحويلها واستخدامها. وبالفعل فإنّ هذين العنصرين مترابطان بشدّة ويؤثّر الواحد منهما في الآخر. إنّ كارل ماركس ينظر إلى العمل الإنسانيّ بوصفه أساس الصرح الإجتماعيّ بأسره، وتبدو هذه الصيغة مقبولة إذا ما أُعطيت كلمة (العِلم) معنىً واسعاً بما فيه الكفاية.إذ أنّ مجرّد مراكمة الموارد لن تجدي إلاّ إذا ترافقت ليس مع تزايد المعرفة والخبرة الفنّيّة والإجتماعيّة فحسب، بل ومع تزايد الحكّم ببيئة الإنسان بالمعنى الأوسع.

ولا يجوز أن يبدأ التاريخ من مرحلة معينة دون أخرى أو أبراز فكرة محددة على حساب أخرى. إنّ الأفكار والوقائع تجري في نسق معيّن، فكلّ واقعة مرتبطة بأخرى، وأخريات.و تتضمّن الوقائع علاقات، والملاحظة توجّه إلى كلّ من الوقائع، وعلاقتها بالوقائع الأخرى في آنٍ واحد.و على هذا فلا ينبغي أن يتعدّى كون المؤرّخ أكثر من جامع للأخبار، وإنّما يكون كمحقّق وباحث ومجرّب أيضاُ.

إن التوق إلى تعليل التاريخ عميق الجذور إلى حدّ أنّنا مُعرَّضون، إذا لم نمتلك وجهة نظر بناءه في الماضي، للإنزلاق إلى أحد أمرين : الغيبيّة أو الشكّيّة.


أهواء المؤرّخين:
ينطلق المؤرخين من مقدّمات واحدة ولكنّهم يصلون إلى غاياتٍ مختلة، وكلٌّ منهم يفترض أن الغاية التي بلغها هي الصحيحة المنشودة. فالإقتناع يمكن نعتبره نتيجة يعتقد صاحبها أنّها صحيحة عن إحساسٍ شخصيّ، إمّا لأسباب عاطفيّة أو ذهنيّة، قد يضمرها أو يعلنها، ممّا يجعل كلّ اختصام حالة قائمة بذاتها، تتوقّف على طبيعة الموقف والتفسير أو التأويل أو السياسة التي تكمن وراء القضيّة. وهذا على خلاف ما في المسائل الرياضيّة، فلا يمكن أن يكون هناك اختصام في النتيجة لأنّ المقدّمات محدّدة، وقواعد الإستدلال ثابتة، فيكون الجواب محتوماً. ولهذا لا يقوم خلاف بشأن المسائل الرياضيّة. فالفرق بين الأمرين هو مسألة تحديد عناصر القضيّة المختلف عليها، فهي لا توضع في الغالب وضعاً محدّداً دقيقاً، كمثل أن يقوم فريقين بقياس ارتفاع قمّة جبل بأجهزة المساحة، فقد يحدث بينهما اتّفاقٌ كامل، أو يقع بينهما اختلافٌ هيّن. أمّا إذا كان الإختلاف كبيراً في النتيجتين، فيكون أحد الفريقين قد أخطأ في الملاحظة أو الحساب، ومتى صُحّح الخطأ عاد الإتّفاق بينهما. ذلك أن مسألة القياس هذه خارجة عن نطاق الإختصام، لأنّها تقاس بوسائل متّفق عليها، فنحن هنا لسنا بصدد نظريّة أو تأويل، بل بصدد واقع لا خلاف عليه. ولو أنّ جميع ما يتعلّق بالإهتمام البشريّ كان من هذا القبيل، لاختفت الخصومات وأصبحت أنواع الإقتناع واحدة، لحصول الإقتناع دائماً على أشياء واحدة.

إنّ اختلاف المقاصد والعقبات التي تحول دون توافقها وتجانسها من أهمّ موانع الإتّفاق على نتائج واحدة. والحقيقة أنّ الإختلاف في تأويل عناصر القضيّة الفكريّة أخطر بكثير من الإختلاف على العناصر نفسها. فقد يتّفق الناس على العناصر من حيث هي، ولكن تأويلهم لكلّ منها هو سبب الإختلاف الذي لا يرجى معه اتّفاق. فالتأويل هو الذي يدخل العنصر الذاتيّ في القضيّة. لأنّ لكلٍّ من المتخاصمين هدفه الخاص من القضيّة ومقصده الشخصيّ. فليس الهدف بين المتخاصمين على الدوام واضحاً مثل قياس ارتفاع جبل. وليست أدوات الحكم دائماً ممّا يركن إليه كأجهزة المساحة.

إنّ التحليل والتركيب يتمّ بهما تجزئة المواقف أو المفهومات، ثمّ إعادة إنشائها في صيغة جديدة، وهذا ما يتمثّل في الإتجاه العلمي في التاريخ، حيث يقوم المؤرّخ بباستخدام أدوات التفكير ويستعين بالملاحظة والذاكرة والمخيّلة، وفي هذه العمليّات جميعاً لا بدّ من خيوطٍ رابطة، يسمّيها علماء النفس عمليّة التداعي أو الترابط. ولا توجد قواعد ثابتة للتداعي السديد، الذي نقوم بالإستناد على نتائجه بالحكم على المعطيات.

والحكم هوعبارة عن تمييز تضاف له قيمة معنويّة، مثل الصواب والخطأ، والجودة والخسّة.و لكن كثيراً ما يقوم النّاس بالحكم بأحكامٍ متباينةٍ على ذات الأشياء، وهذا مرجعه الدوافع التي توجّهنا لإطلاق الأحكام انطلاقاً من ذواتنا، وليس ارتكازاً على ماهيّة الشيء أو الموقف أو الفعل الذي نقوم بالحكم عليه. الأفعال الإنسانيّة علّتها ليس في نفسها بل لها دوافع. وهذه الكلمة الغامضة تدلّ في وقتٍ واحد على الحافز الذي يحفّز على إنجاز فعل وعلى الإمتثال الواعي الذي لدينا عن الفعل في لحظة إنجازه. ولا نستطيع أن نتخيّل دوافع إلاّ في ذهن إنسان على شكل امتثالات ٍ باطنة غامضة، مماثلة لتلك التي لدينا عن أحوالنا الداخليّة الخاصّة، ولا نستطيع أن نعبّر عنها إلاّ بكلمات، في العادة مجازيّة.
وتلك هي الوقائع النفسيّة التي تٌسمّى باللغة العامّة : العواطف والأفكار.

وفي الوثائق نستشفّ ثلاثة أنواع من الدوافع:
1- دوافع وتصوّرات المؤلّفين الذين عبّروا عنها.
2- الدوافع والأفكار التي نسبها المؤلّفون إلى معاصريهم الذين عاينوا أفعالهم .
3- دوافع يمكن أن نفترضها لأفعالٍ واردة في الوثائق ونتمثلها نحن لأنفسنا على غرار أفعالنا.

في القضايا التاريخيّة كثيراً ما نصل إلى نتائج غير دقيقة إمّا عن إهمال أو قصور في كفايتنا الفكريّة.

وعين الحبّ عن الأخطاء عمياء بالمزايا والمحاسن حديدة البصر. أمّا عين السخط والكراهيّة فعمياء عن المحاسن، حديدةٌ في الكشف عن العيوب والمثالب. ونحن حريّون أن نعزو صفاتٍ ومزايا مستحبّة إلى ذوات الجمال وربّات الحسن، وهنّ عاطلاتٌ من ذلك. ومن العسير علينا أيضاً أن نتبيّن مزايا حقيقيّة موجودة فعلاً في ذوات القبح.

فالعلاقات الإنسانيّة عاطفيّة إلى درجة كبيرة. ولهذا تكون الأحكام الخاصّة بهذه العلاقات ميداناً خصيباً بنشاط الأهواءو لكن مرادنا أن نعامل المشكلات العامّة بأسلوبٍ عقليّ منزّه عن الأهواء، وما يحدث عادةُ على الرغم من صدق نيّتنا في العدل أنّّنا نمزج المنطق بالهوى أو المعتقدات السابقة التي تٌسمّى بالسبقيّات. وفي النهاية نجد سنداً سليماً بعض الشيء لنتائج أحكامنا، يسانده خليطٌ متباينٌ من الميول العاطفيّة التي تجنح بنا إلى القبول بتلك النتائج.

إنّ من أسباب الهوى في التفكير التاريخيّ أننا نفكّر جميعاً، على حسب ما يتراءى لنا، والأهواء تتشرّب بها عقولنا. كما نتشرّب بالمعتقدات العامّة عن طريق الإيحاء والتقليد لمن نجعلهم قدوة لنا في سلوكنا واعتقاداتنا،و بتأثير الآراء والعواطف التي نتعرّض لها. فتفكيرنا متأثّر بصورة معقّدة وخفيّة بمشاعرنا الشخصيّة والإجتماعيّة. والآراء والعواطف تنتقل بالعدوى. والهوى يسري بسهولة ومن العسير اقتلاعه ما دامت العواطف غالبة على العقل كما هي الحال غالباُ.

ما أردنا قوله في هذا الفصل أنّ الأهواء - فيما يخصّ كتابة التاريخ - إذا ما تلاشت في فترة من الفترات لا تلبث أن تنشأ في مكانها أهواءٌ جديدة. فنحن أفراداُ وجماعاتٍ، معرّضون للهوى، بتأثير عواطفنا. وهذا الهوى تختلف درجة شدّته وتشويهه لعدالتنا وموضوعيّة نظرتنا إلى الأمور. وقد يصل تأثيره إلى حدّ المرض لدى المصابين بالبرانويا وما إلى ذلك من الأمراض العقليّة التي يتصوّر امصابون بها أنّ الواقع مشكّل على غرار أوهامهم وتصوّراتهم.

ومع ذلك فالإصابات الخفيفة بهذا الشأن مألوفة لدى المؤرّخين بل حتّى بين رجال العلم حين يتعصّبون لفروضهم ونظريّاتهم مدفوعين برغباتهم وتصوّ!راتهم على حساب الموضوعيّة فيبيتون أقلّ موضوعيّة ممّا يبدون في الظاهر.

إن معظم المؤرّخين حين يقعوا في هذا الخطأ يكونوا مخدوعين. إذ يبدأون نسيج الحقيقة بلحمة من الواقع وسداةٍ منه. ولكن بينما هم يمدّون الخيوط في عمليّة النسيج يتدخّل خيطٌ من رغباتهم أو ذاتيّتهم من حيث لا يدرون. فإذا بالنسيج يأخذ اتجاهاً ولوناً خاصّاً يميل لإعتقادهم الشخصيّ، لا للموضوعيّة الخالصة.فالمؤرّخ الذي يستخدم خياله في تأويل الوقائع وإتمامها، يهديه إيمانه أكثر ممّا يهديه حبّ استطلاعه، وخياله في تأويل الوقائع ليس محايداً، فغرضه ليس تحقيق الفروض تحقيقاً نزيهاً بل غرضه إثباتها جهد الإثبات.

وقد دفع أمر انزلاق المؤرّخين كما غيرهم من الأناس والعقول العاديّة، الدكتور (ديفيد جوردان) إلى تسجيل اتجاهات هذا النوع من التفكير الذي يصدر عن عقولٍ ذات مخيّلة خصبة ومنطق محدود، وأطلق على ذلك التفكير اسم (البلاهة العُليا أو الراقية).