التفسير العقلي لسورة الفاتحة

إنضم
23 نوفمبر 2015
المشاركات
122
الإعجابات
116
الإقامة
الرياض
الجنس
ذكر
#1
التفسير العقلي لسورة الفاتحة

سورة الفاتحة

سورة الفاتحة هي من أشهر سورة القرآن على الإطلاق ولعل من أهم أسباب ذلك هو إلزام المسلمين كافة على تكرارسورة الفاتحة بالذات ولعدة مرات في صلاتهم المفروضة دون غيرها من السور القرآنية والتي تكون إختياريه في قرائتها، لذلك يُعد حفض سورة الفاتحة وقرأئتها من الفرائض التي لا تستقيم صلوات المسلم المفروضة من دونها.

فمما لاشك فيه أنَّ هذا الأمر يضع المسلم في حيرة من أمره وذلك عند تسائلهِ عن السر في سورة الفاتحة الذي يجعلها محط إهتمام الخالق جلَّ وعلا من السماء السابعة حتى يفرض تكرارها على المسلمين كافة دون إسثناء وفي كل صلاة من الصلوات الخمس المفروضة والغير مفروضة ولعدة مرات في كل صلاة ولا يقبل العُذر فيها سواء كان المرء عربي أم أعجمي ؟

بالمقابل نجد قولهِ تعالى ( إِنَّ فِي ذَٰلِكَ لَآيَاتٍ لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ) قد تكرر في القرآن الكريم ولمرات كثيرة، مما يستدعينا إستخدام العقل والمنطق في محاولتنا لتفسير آية الخصوصية في هذهِ السورة الكريمة بالذات والذي لا نجدهُ في غيرها من سور الذكر الحكيم لعلنا بذلك نكون من الذين يعقلون.

فتفسير الكلمات الواردة في سورة الفاتحة بالطرق التقليدية المنقولة لا يعطيها تلك الفرادة المفروضة من رب العالمين وذلك بسبب وجود مثيلاتها من الكلمات التي تكررت في الكثير من آيات وسور القرآن الكريم، وعليه فتفسير سورة الفاتحة العقلي يفرض علينا الخروج من الطابع التقليدي في التفسير إلى الطابع العقلاني الذي يفرض تخصيص الآية بتفسير محدد يصعب تطبيقه على أية أو سورة أخرى من آيات وسور القرآن الكريم، بحيث يكون الفرادة في تفسير سورة الفاتحة يتماشى مع الصلاة عند المسلمين والتي تنفرد في شعائرها عن باقي الصلوات المعروفة لدينا والخاصة بالديانات والعقائد عند البشر الغير منتمين لدين الإسلام الحنيف.

إذاً تميز صلاة المسلم يجب أن يتماشا مع تميز سورة الفاتحة، ولا يوجد تميز حقيقي لحياة المسلم إذا تمَّ عزلها عن حياة أهل الجنَّة، وعليه يكون التفسير العقلاني لصلاة المُسلم هو في تدريبه على المراسيم والشعائر السماوية المفروضة على أهل السماء عندما يسمح لهُم الخالق الرحمن جلَّ وعلا في المثول بين يديه سُبحانه عند عرشهِ العظيم، وهذا يُفسر فرض التكرار اليومي لهذهِ الصلاة وفي كل الأوقات لعلنا بهذهِ العبادة نتقرب إلى الله زُلفا من مقرنا الأرضي الحالي كما يتقربون أهل السماء إلى الله وهُم في حضرته سُبحانهُ لا إله إلا هو.

نستعين بذلك بمقتطفات من كتاب (حقائق في علم الكتاب – دراسة في علوم الكتب السماوي) صفحة 161-162، الذي تمَّ نشره من قبلي عام 2003 ميلادية وهو متوفر في الأسواق منذ ذلك الوقت، حيث جاء فيه:

عندما يكون المؤمِن في جنَّة الخُلد وحينما يَرغَبُ في مُلاقاةِ ربِّهِ عليه أن يَقف خَاشِعاً ومُتضرعاً في الصلاة ليستلهم الوحي الرباني، فتتجلى روحهُ الطاهِرة لهُ لتأخُذَهٌ إلى عالم واسِع عظيم يختلِف كُلياً عن عالَمهِ الذي هو فيه، فيبدأ بالرعشة والخوف الشديد لهول الأجواء التي يشعُر بها، فإذا به يقف أمام مدخل عرش الرحمن طالباً السماح لهُ بالمثول أمام الخالق الواحد الديَّان.

دليلنا على هذا التصوُّر هو ما صحَّ تواردهُ عن الرسولِ العظيم والصحابة الكرام في خشوعهم لله في الصلاة واستحضارهم لِعظَمة الخالق الجبَّار في صلاتِهِم وعبادتهم لهُ لِتَصل بهِم الحالة إلى الرعشة والرهبة في وقفتهِم بين يدِّ خالقهِم.

فبعد أن يستعد (العبد المؤمن) لملاقات الله آخذاً مكانهُ بين الخلق يبدأ بقراءة سورة الفاتحة، وهي آية متميِّزة في معانيها، ورغم علمِنا بتفسيرها المُعزّز بأقوال الرسول الكريم فإننا نراهُ يخدم الإنسان على الأرض فقط والله واعلم.

فحبذنا أن يكون هناك تفسير خاص بأهل السماء، وهو إن أخطأ فلن يضُر والله من وراء القصد، والذي يتلخص كالتالي :

فبعد أن يبدأ العبد المؤمن في الجنَّة بقراءة سورة الفاتحة والتي نجد في تفسيرها خير رجاء للمثول بين يدي الرحمن، حيث يبدأ طلبهُ بمناجاتهِ لربهِ ومستعطفاً إياه عند قولهِ (بِسمِ الله الرحمن الرحيم).

ثُمَّ يشكُر الله على نعمهِ بقولهِ (الحمد لله ربِّ العالمين).

ليستعطفهُ عندما يقول (الرحمن الرحيم).

ثم يَصِف مُلك ربِّهِ العظيم بقوله ( مالك يوم الدين ).

بعدها يَصِفُ العبدُ ولائهُ لله بقولهِ (إياك نعبدُ وإياك نستعين).

ثم يُلخِّصُ طلباته بأمرٍ واحدٍ الا وهو (إهدنا الصراط المستقيم).

محدداً تلك الصِراط اي الطريق المستقيم الذي لا عِوج فيه بقولهِ (صِراط الذين أنعمت عليهم).

مُستثنياً صِراط أهل الكِتاب والتي لا فائدة مِنها بقولهِ (غير المغضوب عليهم ولا الضالين).

ليختم طلبهُ هذا بكلمة آمين، اي برجاء الاستجابة لهذا الطلب والسماح لذلك العبد بنيل رحمة ربِّه عن طريق المثول بين يديهِ.

فإذا تاخر السماح له يُباشِر العبد بقراءة ما تيَّسر لهُ وما يَحفظهُ مِن آيات ربِّه، عسى أن يكون فيها الشفاعة عند الله.

وعندما يُؤذَن لهُ بالدخول والمثول أمام عَرشِ ربِّهِ يبقى مُنتظِراً قُدوم الرحمن، فإذا لمحهُ قادماً يُباشِر بالركوع أمامه تعظيماً لشأنه فلا يُراقِب قدومِهِ بل يَركع ويحني راسهُ ويُردد (سبحان ربي العظيم).

فإذا باشر ربُّ العالمين بالجلوس على عرشهِ العظيم مُعلناً استعدادهُ لسماع حديث عبيده، نادا منادي بقوله (سَمِع الله لمن حمده) فيرد العبد وهو ناصِيب قامتهِ رافِع يده للتضرُّع (ربنا ولك الحمد)، أي الحمدُ والشكر لتلك النعمة وذلك الشرف العظيم بالسماح لذلك العًبد بالمثول أمام الله سبحانه والسماع مِنهُ.

ومُجرد اعتلاء المولى العزيز لعرشهِ العظيم يُباشر عًبيده بالسجود أمامهُ وأمام عَرشِهِ مرددين وجباههم قد لامست الأرض (سبحان ربي الأعلى) إلى أن يأذَنَ لهم بالحديث.

عندها يرفع العبد رأسهُ ليواجِه ربَّه وليُكلمَهُ.

وبعد أن ينتهي يعود ويسجد لله العزيز القدير مُعلناً بذلك رضوخهُ لأمر الله بترديده (سبحان ربي الأعلى) وهكذا.

قد تكون هذه الصورة من صور أهل الأيمان في الجنَّة والله أعلم، وهي توضح مدى توافق أعمال أهل الإيمان في الدنيا مع أعمالهم في الآخرة ولا يُجزّم هُنا بذلك التصوَّر، ولكنه يُعتبر واحداً من بعض التصورات المبنية على تأملات العبد في أعمال أهل الإيمان والصلاح من عبيد الله المخلِصين لعبادته ، مما يدعم فرضياتنا للقول بأنَّ المؤمنين في الأرض هم أنفُسهُم المؤمنون في السماء و ذلك كروح فقط، أما الجسد فسيكون من تركيبة أُخرى تختلف كُلياً من حيث الشكل والتركيب، وذلك لكي تتوافق والعيشة الأبدية والطهارة الدائمة لتي سوف يعيشها عباد الله من بني البشر وذلك في جنَّة الخُلد.

إنتهى الإقتباس.

والحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على سيد المرسلين محمد وعلى ألهِ وصحبهِ أجمعين.

محمد "محمد سلبم" الكاظمي (المقدسي)